تاريخ النشر: 13 كانون الثاني 2026

دردشة مع الكاتب جميل السلحوت: ثقافتنا العريقة لن تُهزم أمام ثقافة القوة العسكرية

 

حاوره زياد خداش:


من الأدباء المقدسيين الذين من الصعب تجاهلهم حين يُراد تأمل المشهد الثقافي المقدسي. في رصيده العشرات من الكتب في السرد والمذكرات والنقد، كانت له مساهمات قوية في مجلة "الكاتب" الفلسطينية، محاوراً ومحرراً وكاتباً مبدعاً، ذاكرته الثقافية أرشيفية، وروحه فكِهة، أما الجلسة معه فهي مكسب معرفي مهم، مدخّن شرِه، لكنه أيضاً قارئ شرِه، لديه تجربة غاية في الأهمية، في تطوير المشهد الثقافي بالقدس، عبر"اليوم السابع"، وهو الاسم الذي أُطلق على لقاءات أسبوعية في مسرح "الحكواتي"، لمناقشة الإصدارات الجديدة والاحتفاء بالمبدعين وقراءات قصصية وشعرية.. ساهمت هذه اللقاءات وما زالت في قهر الحصر الثقافي للمبدع المقدسي.. مع الكاتب والروائي جميل السلحوت كانت هذه الدردشة:

 

* تنحدر من أصل بدوي، وتحمل فكراً يسارياً.. ولديك كتب في القصة والمذكرات، كيف تجمعت كل هذه العناصر داخلك؟ وما تأثيرها على نصك؟

أنا المولود في العام ١٩٤٩ لم أعش حياة البداوة لكنّني عايشتها، ووالداي ومجايلوهم من عرب السواحرة عاشوها، ومعروف أن عرب السواحرة من أوائل العشائر البدويّة في فلسطين التي تحضرّت قبل غيرها، بسبب قربهم من القدس الشّريف التي تمثّل نموذجاً لحياة التّمدّن في المشرق العربي.
وأنا صدرَت لي كتب في صنوف أدبية مثل: الرّواية للكبار وللصّغار، التّراث الشّعبي، أدب الرّحلات، السّيرة الذّاتيّة والغيريّة، اليوميّات، الرّسائل، قصص الأطفال، الأبحاث، الأدب السّاخر، عدا عن المقالات الأدبيّة والسّياسيّة. والكتابة موهبة قبل كلّ شيء، وأنا ناشط اجتماعيّ وأعرف عادات وتقاليد مجتمعنا بكلّ طبقاته الاجتماعيّة، وقد ظهر ذلك في كتاباتي.
وأزعم أنّني مثقف شموليّ منفتح، فثقافتي خليط من الثقافة اليساريّة والدّينيّة والمجتمعيّة، وهذا يظهر في كتاباتي.

 

* كنتَ صاحب تجربة اليوم السابع في مسرح الحكواتي.. حدثنا عن سياقها، وكيف تقيمها؟ هل تشعر برضى عن التجربة؟
أنا صاحب فكرة ندوة "اليوم السّابع"، وشاركَني في تأسيسها كلٌّ من ديمة جمعة السمان، إبراهيم جوهر، ونبيل الجولاني، والمرحوم ربحي الشويكي، انطلقت الندوة في الفاتح من آذار 1991، كندوة أسبوعيّة ثقافيّة دوريّة مقدسيّة في المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي، تُعقد في السّاعة السّادسة من مساء كل خميس، وأدرت الندوة لمدة اثنين وعشرين عاماً، وبعدي أدارها إبراهيم جوهر لعامين، ومنذ العام 2015 استلمت إدارتها ديمة السمان ولا تزال، وصدر عن الندوة ثلاثة وعشرون كتاباً توثيقيّاً لجلساتها.. والنّدوة التي استمرّت خلال الخمسة والثلاثين عاماً السّابقة لا تزال في عنفوانها، وهي أقدم ندوة ثقافيّة على مستوى العالم المعاصر، ونأمل أن تستمرّ بعدنا عبر الأجيال القادمة.


* كيف ترى مستوى النشاط الثقافي في القدس؟ ما الذي يمنع أن تكون القدس مركزاً ثقافياً؟

القدس مركز ثقافيّ عبر تاريخها العريق، وستبقى كذلك، وهي عاصمة الدّولة الفلسطينية العتيدة، فعمرانها ومواطنوها ومقدّساتها وتاريخها عربيّة، وهي مدينة التّعدّديّة الثّقافيّة، كما أنّها مفتاح الحرب والسّلام في المنطقة.
ورغم محاولات الاحتلال لتهويد المدينة إلّا أنّ الحراك الثّقافيّ العربيّ فيها لم ينقطع يوماً واحداً رغم المحن الّتي عاشتها وتعيشها المدينة، وفي القدس مؤسّسات ثقافيّة رائدة وفاعلة منها: المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي)، ومركز يبوس الثّقافي، ومعهد ادوارد سعيد للموسيقى، والملتقى الفكري العربي، ومركز اسعاف النشاشيبي، وجامعة القدس، ودار الطفل العربي، ومتحف دار الطّفل العربي، وغيرها، وفي القدس مكتبة المسجد الأقصى التي تحوي عشرات آلاف الكتب والوثائق التّاريخيّة، وهناك مكتبات عائليّة تحوي مخطوطات تاريخيّة مثل مكتبة الخالدي، ومكتبة عائلة البديري، ومكتبة فهمي الأنصاري وغيرها.
وفي القدس أدباء ومثقّفون كبار، مع التّأكيد على أنّ القدس جزء لا يتجزّأ من الأراضي الفلسطينيّة المحتلة في حرب حزيران 1967، بل هي جوهرتها، وبالتّالي فإنّ ما يجري في القدس لا يختلف عن بقيّة الأراضي الفلسطينيّة، وشعبنا الذي يعضّ على تراب وطنه بالنّواجذ.. وفي القدس فِرَق مسرحيّة مثل مسرح سنابل، وفرقة جوّال، وفرقة المسرح الوطني، وفنّانون مسرحيّون مثل أحمد أبو سلعوم، وحسام أبو عيشة، وعامر خليل، وغيرهم.


* في جبل المكبر ثلاث منارات ثقافية: محمود شقير وإبراهيم جوهر وجميل السلحوت.. هل هذه صدفة أم علامة على تجلٍ لتاريخ عريق من الثقافة في الجبل؟

بلدتنا عرب السّواحرة تمتدّ أراضيها من جبل المكبر حتّى البحر الميت ونهر الأردنّ، وقد برز من أبنائها كتّاب مرموقون منهم: محمود شقير الّذي وصل إلى العالميّة، والمرحوم خليل السواحري، والمرحوم د. داود عطية عبده، والمرحوم داود علي احمد عبده، والمرحوم محمد جوهر، وجميل السلحوت، وإبراهيم جوهر، وحليمة جوهر، وحسام شاهين، وسائد سلامة، ومحمود احمد شاهين، ومحمود عطيّة طافش، ومحمد خليل عليان، ومحمد موسى عويسات، ود. محمد شحادة، وفراس علان، وهناك كتّاب صحافيّون من أبرزهم: راسم عبيدات، ومحمد جميل زحايكة، ومحمد صبيح، وهناك من ألفّوا كتباً دينيّة مثل سماحة الشّيخ محمد حسين مفتي القدس والدّيار الفلسطينيّة، ومحمد عقل هلسة الذي ألّف كتاباً عن تاريخ السّواحرة. والقاضي حسين عبيدات الّذي ألّف كتاباً عن حامولته "العبيدات"، وهناك المرحوم محمد فهد الأعرج الذي ألّف كتاباً في القضاء العشائري، وعمر حسين سلامة صدر له كُتيّبات تحوي حكايات شعبيّة وتراثيّة، وعبد الله جوهر صاحب مؤلّفات في الإدارات الماليّة.

 

* صداقتك مع الشاعر أسعد الأسعد طويلة وعميقة، وشاركتَه الصحافة والمواقف الوطنية.. حدّثنا عنه

عرفت أسعد الأسعد عندما عملنا معاً في صحيفة الفجر المقدسية في العامين 1975 و1976، وعملتُ لاحقاً معه في هيئة تحرير مجلة "الكاتب" التي كانت تصدر في القدس، وكان الأسعد محرّرها المسؤول ورئيس تحريرها، وقد عرفت فيه صدق الانتماء والوفاء والإخلاص وعدم الاعتداد برأيه، وأسعد يتميّز بإنسانيّته العالية، وانتمائه لشعبه ولأمّته، وهو كاتب معروف ومتميّز، كتب الشّعر، والقصّة، والرّواية، والبحث، والمذكّرات، ومن صدق انتمائه أنّه قالها مرّات عديدة لمثقفين يساريّين: لا أفهم مثقفاً عربيّاً يفاخر باطلاعه على أشعار الشّاعر الروسيّ بوشكين ولم يقرأ المتنبي وأبو تمّام والبحتري وجرير والأخطل والشّعر الجاهليّ وغيرهم من فحول الشّعر العربي، وهو أوّل من بادر لتأسيس "رابطة الكتّاب الفلسطينيّين في الأراضي المحتلة"، وترأس هيئتها الإداريّة لعدّة دورات انتخابيّة، وهو أحد مؤسّسي رابطة الصّحافيّين في الأراضي المحتلة، وكانت له مكتبة "الشّروق" في رام الله التّي احتوت كتباً تقدّميّة.