
كتبت بديعة زيدان:
تقدم الكاتبة ميرا عماد كريّم في روايتها "صديقي أو أي لقب آخر" (دار العين للنشر) سردية تتجاوز حدود الحكاية الرومانسية المعتادة، لتغوص في إشكاليات الانتماء، وجدلية الداخل والخارج، والبحث المضني عن "الأب" كمعادل موضوعي للوطن أو الأمان المفقود.. إنها رواية تحاول أنسنة المكان الفلسطيني في المخيم، وإعادة الاعتبار للرسائل الورقية وجمالياتها في عصر السرعة الرقمية.
تدور أحداث الرواية حول "بلقيس"، وهي شابة فلسطينية تعيش في بيروت، تحمل اسماً مثقلاً بالدلالات (تيمناً ببلقيس الراوي زوجة نزار قباني)، وتعاني من يتمٍ مجازي، فوالدها غائب (هجر العائلة أو اختفى)، ما ترك فجوة كبيرة في حياتها.
تقرر دخول مخيم "عين الحلوة" للاجئين الفلسطينيين، تحت غطاء إجراء بحث ميداني لمؤسسة اجتماعية، لكن دافعها الحقيقي هو البحث عن أثر لوالدها أو فهم سر غيابه.
في المخيم، تصطدم بلقيس بواقع مغاير لتصوراتها المسبقة، وتلتقي "نضال"، المصور الشاب وابن المخيم الذي يصبح دليلها المكاني والروحي، حيث تتطور العلاقة بينهما من مرشد وباحثة إلى صداقة عميقة تتوج باتفاق على تبادل الرسائل الورقية، محاكين بذلك علاقة "جبران ومي زيادة"، في حين تنتهي الجزئية المتاحة من النص بحدث مفصلي (عودة الأب فجأة)، ما يضع بلقيس أمام لحظة المواجهة مع الحقيقة التي بحثت عنها طويلاً.
تتضمن الرواية حكايات فرعية تغني المتن الرئيسي، كحكاية وليد، صديق نضال الذي استشهد في اشتباكات داخلية، تاركاً طفله "حسام"، مبرزة عبرها مأساة الموت العبثي في المخيم، حيث "كل قتيل شهيد"، وحكاية أم هادي، الأرملة التي فقدت زوجها ووالدها، وتمثل "عامود الخيمة" الاجتماعي، فهي تروي تاريخ المخيم من منظور نسوي (مملكة النساء التي بنيت حين اعتقل الرجال).
وعبر "مملكة النساء"، تكسر الرواية الصورة النمطية للمخيم كمكان البؤس والمسلحين، لتقدمه كفضاء حي يضج بالتناقضات، عبر مجمع تديره النساء فعلياً، فـ"أم هادي" والأرامل اللواتي فقدن أزواجهن يعدن بناء المخيم، ويحفظن الذاكرة عبر الحكايات، والتطريز، ما يضفي صبغة نسوية ضمنية ومقاومة ناعمة على السرد.
ولم تغفل الرواية السياق السياسي، وتحديداً قرارات وزارة العمل اللبنانية وتقييد عمل اللاجئين، ويتجلى هذا في شخصية نضال الذي يشعر بأن هويته "اضطراب" وليست امتيازاً، وبأن المخيم سجن كبير رغم ألفته، ما يبرّر حلمه الدائم بالسفر ويزيد من حدة أزمته الوجودية.
تزخر الرواية بمضامين تتجاوز الحكاية السطحية، من بينها جدلية الداخل والخارج، بحيث رسمت خطاً فاصلاً ثم تمحوه بين "فلسطينيي المدينة" (المرفهين نسبياً، المتهمين بالتعالي) و"فلسطينيي المخيم" (حراس الذاكرة والألم)، فيما تمثّل "بلقيس" الجسر الذي يحاول ردم هذه الهوة، واكتشاف أن المخيم ليس مجرد بؤس، بل "دولة داخل الدولة" تضج بالحياة.
وبينما يمثل الأب الغائب "فلسطين المفقودة" أو "الجذر المبتور"، وتبدو رحلة بلقيس للبحث عنه سعيا لترميم هويتها الناقصة، تبرز الرواية ببراعة عديد الرمزيات النفسية، لعل أبرزها مشهد "العصفور والقفص"، حيث تشتري بلقيس العصفور الأكثر بؤساً لتعتق رقبتها من ذنب ما، فتطلق سراحه لكنها تحتفظ بالقفص فارغاً في غرفتها.. هذا القفص الفارغ هو المعادل الموضوعي لنفسية بلقيس، فهي تخشى "الحرية المطلقة" بقدر خوفها من السجن، لذا فإنها بحاجة إلى إطار أو حدود تحميها من فوضى العالم، وهو ما يفسر لجوءها لفرض قواعد صارمة على علاقتها بنضال.
يتماهى هذا القلق مع عبء الأسماء، فالبطلة مثقلة باسم "بلقيس" الذي يربطها بتراجيديا بلقيس الراوي زوجة نزار قباني، لذا تحاول في رسائلها اختراع هوية جديدة "الأميرة بلقيس الثانية"، في المقابل، نجد "نضال" الذي يمثل اسمه القضية الكبرى، يختار طواعية أن يذيب هذه الهوية العامة في هوية ذاتية حميمة، حين يوقّع رسائله بـ"نضال بلقيس" أو "جبران بلقيس"، وكأنه يعلن أن النضال الحقيقي هو الحب.
تميزت الرواية بتوظيف تقنيات حديثة وكلاسيكية بذكاء، حيث تتناوب الرواية بين صوت بلقيس وصوت نضال (فصول معنونة باسمه)، ما يتيح للقارئ
رؤية الحدث من زاويتين مختلفتين (زاوية الزائر وزاوية المقيم)، كما تمارس "الكتابة عن الكتابة"، فبلقيس تكتب رسائل لامرأة ميتة (بلقيس الراوي) وتضعها في صندوق بريد وهمي في المقبرة، كما يتفق البطلان صراحة على "لعبة الرسائل" ومحاكاة أدب جبران ومي، وهو وعي من الشخصيات بفعل السرد نفسه.
وتحفل الرواية، أيضاً، باستدعاءات لنصوص وشخصيات أدبية (نزار قباني، وغسان كنفاني، وجبران خليل جبران، وجين أوستن)، ما يضع الرواية في سياق ثقافي واسع.
ولعل أبرز ما يميز الرواية، وربما غير المسبوق في الروايات الشبابية الحديثة بهذا الشكل المباشر، استعادة أدب الرسائل الورقية كقيمة جمالية وشعورية، بحيث تنتقد ضحالة التواصل الرقمي (الفيسبوك، واللايكات) وتنتصر للرسالة الورقية التي تحمل رائحة ووزناً، واضعة قوانين لهذه المراسلات (عدم الحب، وعدم استخدام الهاتف)، ما يخلق توتراً درامياً جميلاً وتشويقاً عاطفياً يعيد للأذهان رومانسية زمن مضى.
لغة الكاتبة ميرا عماد عذبة، مشبعة بالصور الفنية دون تكلف، وتناسب طبيعة البطلة المثقفة والحساسة، وميّزها أنها لم تقدم المخيم كمكان للبكائيات فقط، بل كمكان يعج بالحياة، وبالألوان، وبالتطريز، وبقصص الحب، وحتى بالسخرية من الواقع، علاوة على الغوص في دواخل الشخصيات، خاصة مشاعر الفقد والاحتياج عند بلقيس، ومشاعر المسؤولية والرغبة في الهروب عند نضال.
ولكن، قد يبدو لقاء بلقيس بنضال (الذي يعرف كل شيء ويرتبط بوالدها بطريقة ما)، كما يُلمح النص، والعودة المفاجئة للأب، نوعاً من المصادفات القدرية التي قد تضعف البناء المحكم للحبكة إذ لم تبرر سردياً بشكل كافٍ في بقية العمل، كما أنه في بعض المواضع، قد تطغى الرومانسية (محاكاة جبران ومي) على واقعية الألم الفلسطيني، ما قد يُشعر القارئ بانزياح النص نحو المثالية في العلاقات العاطفية وسط بيئة قاسية جداً.
ومع ذلك، فإننا في "صديقي أو أي لقب آخر"، نجد أنفسنا أمام نص روائي رقيق وموجع في آن، ينجح في المزاوجة بين الهم الوطني والهم الذاتي.. إنها دعوة للتفكير في أن "الوطن" قد لا يكون أرضاً فقط، أو رسالة في صندوق بريد، أو شخصاً يكسر عزلتنا، أو حتى قفصاً فارغاً نحتفظ به لنذكر أنفسنا بأننا نملك، ولو مرة واحدة، حق فتح الباب.