
كتب محمد الجمل:
رصدت "الأيام" مجموعة جديدة من المشاهد من قطاع غزة، في ظل تصاعد خروق الاحتلال، وتفاقم معاناة المواطنين والنازحين.
ومن بين المشاهد الجديدة التي رصدتها "الأيام"، مشهد تحت عنوان: "ضحايا أبرياء"، ومشهد آخر جاء تحت عنوان: "رحيل منخفض واستعدادات لاستقبال آخر"، ومشهد ثالث يكشف ما خلفته الحرب من أزمات نفسية في صفوف الأطفال.
ضحايا أبرياء
لا يمر يوم دون سقوط ضحايا أبرياء برصاص وشظايا قذائف الاحتلال، بعضهم يسقطون في مناطق يفترض أنها آمنة. واللافت أن غالبية الضحايا يسقطون خارج نطاق "الخط الأصفر"، وبعضهم برصاص أبراج آلية أو دبابات، حيث يتم إطلاق النار بشكل متعمد باتجاه التجمعات السكنية.
وباتت منطقة "فش فرش"، الواقعة جنوب مواصي خان يونس، واحدة من المناطق شديدة الخطورة، التي تشهد سقوط ضحايا بشكل يومي، جراء وصول الرصاص إلى خيام النازحين من منطقتي "الشاكوش والعلم"، في مدينة رفح، جنوب القطاع.
وأكد المواطن عبد الله شلوف، أن مخيمات النازحين في محيط منطقة "فش فريش"، باتت عرضة للرصاص اليومي، والضحايا هم مدنيون أبرياء، ساقهم القدر ليعيشوا في تلك المنطقة، في ظل الوضع القاسي والصعب في القطاع.
وأوضح شلوف أن المواطنين يسقطون بالرصاص في الخيام ومحيطها دون أن يعرفوا سبب ذلك، خاصة أنه من المفترض أنهم ينعمون بحالة وقف إطلاق نار، مشيراً إلى أن هناك أوقاتاً يشتد فيها إطلاق النار، خاصة خلال ساعات الفجر والمساء، بحيث يوجه جنود الاحتلال نيران رشاشاتهم على تجمعات الخيام، ويطلقون النار بشكل كثيف ومتواصل.
وتستقبل مستشفيات جنوب قطاع غزة بشكل يومي شهداء وجرحى يصلون من محيط منطقتي "الشيخ ناصر"، وبلدة بني سهيلا شرق خان يونس، وغالباً ما يصابون برصاص عشوائي أو شظايا قذائف تستهدف تلك المنطقة.
وقال مواطنون، إن المناطق المذكورة تعتبر مناطق حيوية خالية من تواجد الاحتلال، ومن الطبيعي أن تكون مناطق مأهولة ومكتظة، ويبدو أن الاحتلال أدرك ذلك، ويتم استهدافها بالرصاص والقذائف بشكل يومي، وأن مصدر النار مواقع داخل "الخط الأصفر".
وآخر ضحايا إطلاق النار العشوائي باتجاه المناطق المأهولة في خان يونس، كان الشهيد محمد خالد محمد القهوجي (38 عاماً)، وسقط برصاص الاحتلال في منطقة بني سهيلا.
من جهته، أكد مركز غزة لحقوق الإنسان، أن الاحتلال حوّل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة إلى غطاء لقتل المواطنين، وأنه تم توثيق استشهاد ما معدله 5 فلسطينيين يومياً على مدار 90 يوماً من بدء تنفيذ الاتفاق.
وأوضح المركز أن قوات الاحتلال تواصل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، من خلال القتل العمد والممنهج للمدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، في انتهاك فاضح ومتعمد لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 تشرين الأول 2025، وخلال 90 يوماً فقط من وقف إطلاق النار، قتلت قوات الاحتلال 439 فلسطينياً، بمعدل 5 شهداء يومياً، بينهم 155 طفلاً و61 امرأة، إضافة إلى إصابة 1225 آخرين، في مؤشر خطير على أن إسرائيل تستخدم وقف إطلاق النار كأداة لإدامة القتل بدلاً من وقفه.
رحيل منخفض واستعدادات لآخر
بينما تنفس النازحون الصعداء بعد رحيل المنخفض الجوي الذي ضرب المنطقة، يوم الجمعة الماضي، فوجئوا بتوقعات دوائر الأرصاد الجوية بوصول منخفض جوي آخر أشد قسوة، مساء اليوم الاثنين.
وكعادتهم مع اقتراب وصول كل منخفض، بدأ مواطنون رحلة استعدادات جديدة، تتمثل في تثبيت وتقوية الخيام، وتجهيز حفر جديدة لامتصاص المياه، وإعادة حفر وتجهيز مسارات جديدة للمياه، ووضع سواتر ترابية حول المخيمات التي تؤوي النازحين، بينما انهمك آخرون بترميم خيامهم التي تضررت جراء المنخفض الجوي الفائت.
وذكر الناطق باسم الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل، أن المنخفض الجوي الأخير تسبب بأضرار جسيمة في أوضاع الإيواء المؤقت، حيث تضررت آلاف الخيام بشكل كامل، فيما تطاير عدد كبير منها خاصة الخيام المقامة على شاطئ البحر نتيجة شدة وسرعة الرياح.
ولفت بصل إلى أنه لا تزال آلاف الخيام مهددة بالتطاير في أي لحظة في ظل استمرار الأحوال الجوية غير المستقرة، وغياب أي وسائل تثبيت أو حماية، مشيراً إلى اضطرار المواطنين إلى نصب خيامهم على شاطئ البحر نتيجة انعدام المساحات داخل المدن، بعد التدمير الواسع للأحياء السكنية وعدم توفر بدائل للإيواء.
وأوضح أن وجود آلاف المنازل الآيلة للسقوط ما زال يشكّل خطراً مباشراً على حياة السكان، خاصة مع تشققات وانهيارات جزئية تزداد مع الأمطار والرياح.
وأكد بصل أن كل منخفض جوي جديد يتحول إلى كارثة إنسانية حقيقية في ظل منع إدخال مواد البناء، واستمرار تعطيل إعادة الإعمار، موضحاً أن النازحين يعيشون أوضاعاً كارثية داخل خيام ممزقة ومنازل متصدعة، دون أدنى مقومات الأمان أو الكرامة الإنسانية.
وشدد على أن ما يشهده قطاع غزة، اليوم، لا يرتقي إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية، ويشكّل انتهاكاً للمبادئ الإنسانية والقانون الدولي الإنساني.
وبيّن أن طواقم الدفاع المدني تعمل ضمن إمكانيات محدودة للغاية، وسط تزايد البلاغات عن مخاطر انهيارات وتطاير خيام وتسرب مياه الأمطار، مؤكداً أن استمرار هذا الواقع ينذر بكارثة إنسانية أوسع خلال الفترة القادمة، ما لم يتم التدخل العاجل وتوفير حلول إيواء آمنة وإدخال مواد البناء بشكل فوري.
أزمات نفسية في صفوف الأطفال
لم يتوقف أذى الحرب على الضحايا من الشهداء والجرحى، بل تعدى ذلك ليفتك بالحالة النفسية لعدد كبير من سكان قطاع غزة، خاصة الأطفال، الذين باتوا يعانون من مشاكل وأزمات نفسية تستمر معهم حتى الآن.
واشتكى أولياء أمور من مشاكل نفسية يعاني منها أطفالهم، منها العدوانية، واضطرابات النوم، والانعزال، وضعف التحصيل الدراسي، وغيرها.
وقال المواطن رامي عمر، إن أياً من أطفاله الثلاثة لم ينجُ من المشكلات النفسية، وإنهم يعانون من آثار الحرب حتى الآن، موضحاً أن أحدهم يعاني من عدوانية مفرطة، ويضرب أشقاءه وأصدقاءه، وفي البداية كان يعنفه، لكنه اكتشف مع مرور الوقت أن الأمر يتعلق بمشكلة نفسية، وبدأ بعرضه على أخصائي نفسي للتخلص من هذا السلوك الغريب.
وأشار إلى أن ابنه الآخر يعاني من اضطرابات في النوم، يرافقها قلق، وأحياناً يرى في منامه كوابيس تتعلق بالحرب، وهذا أثر عليه، بينما الثالث يتجه للانعزال ولا يميل للاختلاط بالآخرين.
ويُظهر 9 من كل 10 أطفال في قطاع غزة علامات سلوك عدواني مرتبطة بأكثر من عامين من الحرب في القطاع، حيث تآكل إحساس الأطفال بالاستقرار والأمن مع انهيار الخدمات اليومية الأساسية، وذلك وفقاً لتقييمات أصدرها الشركاء العاملون في مجال سلامة الطفل، ونشرها مكتب الأمم المتحدة المعني بتنسيق الشؤون الإنسانية.
وحسب التقييم، أظهر 93% من الأطفال سلوكاً عدوانياً، وكان 90% منهم عنيفين تجاه الأطفال الأصغر سناً. وقال، يكاد يكون الحزن والانعزال بنفس القدر من الشيوع بنسبة 86%، إلى جانب اضطرابات النوم 79% ورفض الدراسة على نطاق واسع 69%، وشدد العاملون في المجال الإنساني على أن أطفال غزة سيحتاجون إلى جهود مستدامة وطويلة الأمد للتعافي.
وحسب الأمم المتحدة، فإنه ورغم أن وقف إطلاق النار لا يزال سارياً، فلم يتوقف العنف المميت وانعدام الأمن بشكل كامل، مع استمرار الضربات العسكرية الإسرائيلية بالقرب من أو شرق ما يسمى "الخط الأصفر".