تاريخ النشر: 09 آذار 2025

"الأيام" ترصد مشاهد جديدة من قطاع غزة

 

كتب محمد الجمل:

 

تتواصل معاناة المواطنين والنازحين في قطاع غزة؛ مع استمرار الحصار المُشدد، وإغلاق المعابر، والتهديدات المتواصلة بتجدد العدوان على القطاع.
"الأيام" نقلت مشاهد جديدة من داخل قطاع غزة، منها مشهد يرصد معاناة النساء والجرائم الممارسة بحقهن في يومهن، ومشهد آخر يُسلّط الضوء على ارتفاع أسعار غاز الطهي وتبعات ذلك على المواطنين، ومشهد ثالث تحت عنوان "عادات رمضانية أخفتها الحرب والنزوح".

 

النساء يتعرضن للتنكيل

صادف يوم المرأة هذا العام استمرار تعرض النساء في فلسطين عامة، وقطاع غزة على وجه التحديد، لأبشع أنواع التنكيل والاعتداءات، وتفاقمت معاناتهن بسبب إجراءات الاحتلال.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، فإنه ومنذ بداية العدوان سقطت في قطاع غزة ١٢٣١٦ شهيدة قتلهن الاحتلال بدم بارد، كما أن ١٣٩٠١ امرأة ترملن وفقدن أزواجهن ومعيل أسرهن، بينما هناك ١٧ ألف أم ثكلت بفقد أبنائها، و٥٠ ألف امرأة حامل وضعن مواليدهن في ظروف غير إنسانية، بينما أصيبت ١٦٢ ألف امرأة بأمراض معدية، و٢٠٠٠ امرأة وفتاة ستلازمهن الإعاقة جراء بتر أطرافهن.
ولم تسلم النساء من الاعتقال والتعذيب، فعشرات النساء تم اعتقالهن وتعرضن للتعذيب داخل سجون الاحتلال.
وأكدت سيدات أن الوضع ورغم التهدئة الماضية لم يتحسن، وأنهن ما زلن يعشن آثار الحرب والنزوح، ويتعرضن للتجويع، والتلويح بعودة الحرب.
وقالت المواطنة سماح سليم: إنها ترملت وفقدت زوجها ونجلها البكر، وأصبحت بين عشية وضحاها مسؤولة عن خمسة أبناء جميعهم أطفال.
وأكدت سليم أنها تُعاني كغيرها من النساء الأرامل والثكلى، وتفتقد لأبسط مقومات الحياة، وتعيش الخوف والجوع، ولا تشعر بالأمان ولا الاستقرار، حتى بعد أن عادت إلى بيتها في مدينة رفح، جنوب القطاع.
وتساءلت سليم عن حقوق النساء في عيدهن، ولماذا لم يلتفت العالم الحر إلى معاناة المرأة في فلسطين عامة، وقطاع غزة على وجه الخصوص، موضحة أن الحيوانات والطيور في أوروبا يتم منحها حقوقاً تفوق الحقوق التي تمنح للنساء في غزة بأضعاف، وهذا ظلم كبير وغير مسبوق.
بينما قالت المواطنة مها عبد الرحمن: إنها قضت يوم المرأة في خيمة بالية برفقة عائلتها في مواصي خان يونس، تواجه البرد، والجوع، وأصوات طائرات الاستطلاع، وتخشى تجدد الحرب في أي لحظة.
وأشارت عبد الرحمن إلى أن "ما يُسمى العالم الحر أدار ظهره للنساء في قطاع غزة وفلسطين، وتركهن للاحتلال يمارس بحقهم أبشع أنواع التنكيل والجرائم".
ولفتت إلى أن حال النساء في ظل الحرب بات صعباً ويُرثى له، والكثيرات تحملن مسؤوليات مبكراً، وأخريات قتلن، والمئات أصبحن معاقات، ويجب أن يكون يوم المرأة مناسبة يتم تذكير العالم فيها بأن هناك نساء يُعانين، ويجب الالتفات إلى معاناتهن، والعمل على حمايتهن من بطش الاحتلال، ومحاسبة الاحتلال على ما اقترفه من جرائم بحقهن، خاصة أن القانون الدولي حدد حماية مضاعفة للنساء والفئات الهشة، وجرّم التعرض لهن.

 

ارتفاع أسعار غاز الطهي

يعيش سكان قطاع غزة أزمة وقود خانقة، جراء تواصل الحصار الإسرائيلي للأسبوع الثاني على التوالي، وقد أثرت هذه الأزمة على مختلف مناحي الحياة.
لكن التأثير الأكبر كان لأزمة غاز الطهي، الذي بات يُستخدم كوقود مُتعدد المهام في قطاع غزة، فهو يستخدم للطهي المنزلي، وفي المطاعم، والمخابز، ويُستخدم كذلك لتشغيل المركبات، ولتشغيل مولدات كهرباء تستخرج المياه من باطن الأرض، إضافة إلى استخدامه كوقود للمولدات في مجالات أخرى.
ومع اشتداد الحصار، ونقص الغاز، ازداد الطلب عليه بشكل غير مسبوق، ما تسبب بارتفاع أسعاره، حتى وصل ثمن الكيلوغرام الواحد من غاز الطهي إلى 120 شيكلاً، علماً أن ثمنه قبل الحصار الأخير كان بين 7 و8 شواكل وفق النظام المُحوسب، و30 شيكلاً في السوق السوداء، وكان المواطنون يبحثون عنه في كل مكان ولا يجدونه.
وبيّن المواطن عبد الرحمن الشاعر أن آخر كمية من غاز الطهي نفدت من منزله قبل يومين، ما اضطره للعودة إلى استخدام الحطب والخشب، والأخير بات نادراً في قطاع غزة، وأسعاره ارتفعت على نحو كبير، ووصل ثمن الكيلوغرام من الخشب إلى 5 شواكل.
وأوضح أنه يعمد إلى إرسال أبنائه إلى مناطق مفتوحة شمال رفح، حيث عاد مؤخراً، للبحث عن الخشب والحطب، لإشعال النار وتنفيذ مختلف الأعمال المنزلية، مؤكداً أن معاناته وعائلته ازدادت جراء ذلك.
من جهته، قال المواطن عمر سلامة، الذي يعمل سائق مركبة عمومية: إن أزمة غاز الطهي، ومن قبلها البنزين، أجبرته على وقف مركبته عن العمل، والتي كانت مصدر دخل عائلته الوحيد في السابق.
ولفت إلى أن ثمن كيلو غاز الطهي في السوق السوداء ارتفع إلى 120 شيكلاً، وهذا سعر "خرافي"، وفق وصفه، لا يستطيع دفعه في الوقت الحالي، ما اضطره لوقف مركبته، بانتظار عودة دخول الوقود.
وبيّن سلامة أن شح الغاز وارتفاع أسعاره تسببا في أزمة مواصلات كبيرة، وخلقا معاناة للمواطنين، حيث بات المشي وركوب عربة "الكارو" طريقة المواطنين للوصول إلى حيث يريدون، ما حد من قدرتهم على التنقل.
بينما أكد مواطنون أنه كلما مر وقت أكبر زادت الأزمات وتعمقت بشكل أكبر، وتفاقمت معاناة المواطنين، فالاحتلال يمنع وصول الوقود خاصة الغاز، ويعمد إلى التأثير على مختلف أشكال الحياة في قطاع غزة، ويُعمّق المعاناة.

 

اختفاء عادات رمضانية

يفتقد المواطنون في قطاع غزة الكثير من العادات والطقوس الرمضانية التي كانوا يعيشونها في السابق، والتي أخفتها ظروف الحرب، والنزوح، وانقطاع الكهرباء.
فللعام الثاني على التوالي، حُرم سكان القطاع من الكثير من الطقوس الرمضانية، والعادات الجميلة، التي كانت تعيشها العائلات في مثل هذه الأيام في السابق.
وذكر المواطن محمود بدر أن شهر رمضان كان مناسبة للبهجة والسرور، وفي أيامه تعيش العائلة أجمل طقوس، لكن منذ بداية الحرب اختفت هذه المظاهر، وحل مكانها الهم، والخوف، والنزوح، والقهر.
وأشار بدر، الذي يعيش حالياً في خيمة بمواصي خان يونس، إلى أنه ومن بين الطقوس التي كانوا يعيشونها تنوع الطعام على مائدة الإفطار، خاصة محشي ورق العنب، وطبق "السمبوسة"، المحشو باللحم والبصل، إضافة إلى طبق السمك الطازج، وغيرها من الأطباق الشهية، وهذا كله اختفى بشكل كامل حالياً.
ونوّه إلى أنهم كانوا يجتمعون على شاشة التلفاز لمشاهدة البرامج الكوميدية والترفيهية، ومن بعدها يشاهدون مُسلسلات رمضان، سواء المصرية، أو السورية.
بينما قال المواطن محمد نصار: إن رمضان في الخيمة والنزوح يختلف تماماً عمّا كان في السنوات الماضية، فهم يعيشون القلق، والخوف والأزمات، ويفتقدون للراحة، والطمأنينة، ولا يتوفر لديهم الكثير من السلع المفقودة من الأسواق، والأسوأ من ذلك أنهم يعيشون في خيمة، سقفها وجوانبها من القماش، ويفتقدون لأدنى حالة من الخصوصية.
وبيّن نصار أنهم كانوا في السابق يجتمعون على مائدتَي السحور والإفطار بفرح وأجواء احتفالية، وتصنع زوجته الحلوى المحشوة بالمكسرات، ويتبادلون مع الأقارب والأحبة الولائم، واللمّات الرمضانية، والآن كل شيء اختفى.
كما حُرموا في شهر رمضان، وللعام الثاني على التوالي، من متابعة البرامج التلفزيونية، وحتى حرموا من الكهرباء التي كانت تنير عتمتهم في الشهر الفضيل، وبات همهم توفير المياه، وبعض مقومات الحياة.
وأوضح أن شهر رمضان بات بائساً حزيناً، تقتصر طقوسه على الصيام وتأدية الشعائر الدينية، بينما تتجدد المجاعة فيه، بسبب الحصار الإسرائيلي الخانق، والجميع يخشون أن يكون القادم أسوأ.