دفاتر الأيام

لازمة بيع الأرض في أدبياتنا: «أنذل العاشقين»

عادل الأسطة

2018-11-11

الحادث المروع الذي حدث الأسبوع الماضي في الغور وأدى إلى مقتل ستة عمال وإصابة آخرين لم ينتهِ بالحزن والترحم عليهم وحسب. لقد جر معه بعض إشاعات تقتضيها طبيعة حياة الفلسطينيين منذ ابتلي وطنهم بالمشروع الصهيوني في العام 1878 أو 1882 حين أقيمت على الأرض الفلسطينية أول مستوطنة يهودية.
ذهبت الإشاعة إلى أن أهل القدس رفضوا إقامة الصلاة على أحد العمال بحجة أنه باع بيته، في البلدة القديمة، إلى اليهود، وذهبت أيضا إلى أن أهله رفضوا تسلم جثمانه.
لم آخذ ما قرأت على أنه حقيقة مسلّم بها، فقد سألت طالبة مقدسية إن كان الكلام صحيحاً، فأوضحت لي الأمر وقالت لي: كان عُمُر الشاب يوم بيع البيت أحدَ عشر عاما، وأضافت: لو كان باع البيت لما عمل عاملاً ولكان يملك المال الوفير، ثم أوضحت لي الذي جرى وأخبرتني أن أهل القدس، بعد أن عرفوا من باع البيت، صلوا على العامل وتقبلوا فيه العزاء.
قبل أن يحدث حادث السير كنت قررت أن أكتب عن لازمة "بيع الأرض في أدبياتنا" مواصلاً الكتابة عن الموضوع الفلسطيني في الرواية الفلسطينية قبل العام 1948 كمشروع كتاب، فقد تأكد لي من متابعتي الحثيثة للأدبيات الفلسطينية أن "اللازمة /الموضوع/ الفكرة/ الـ(موتيف)" هي لازمة أساسية منذ إبراهيم طوقان حتى آخر رواية قرأتها تأتي على هذا الموضوع، وهي رواية "بلد المنحوس" (2018) لسهيل كيوان.
كان طوقان يخاطب بائع الأرض محذراً من سوء العاقبة، وهجا السمسار وطالب بمعاقبته عقاباً قاسياً وأوضح لأهل بيروت ممن غبطونا على "نعمة" بيع الترب بالتبر/ الذهب أن كنوز اليهود وأموالهم لا تساوي حفنة تراب، فالتراب وطن. ولقد كان طوقان شاعراً ذا نبوءة يستشرف المستقبل، فما حذر منه وقع.
ذاعت أشعار الشاعر ولم تنتشر أعمال أدبية تنتمي إلى أجناس أدبية أخرى، كالرواية والمسرحية، أتى أصحابها فيها على الموضوع نفسه في الفترة التي عاش فيها طوقان وفي فترات لاحقة أيضاً.
كان جمال الحسيني في روايتيه "ثريا" و"على سكة الحجاز" اتخذ من موضوع الأرض مدخلاً لمعالجة موضوعات اجتماعية (بلاص وآخرون) وفي الفترة نفسها كتب محمد عزة دروزة مسرحيته/ تمثيليته "الملاك والسمسار" ليقول ما قاله بيت إبراهيم:
"ومالك هذا المال يعلم أنه
يسلم باليمنى إلى يده اليسرى"
فمسرحية دروزة تبنى على فكرة استرجاع المال من بائع الأرض من خلال فتاة يهودية جميلة ترسل إلى البائع فينفق عليها.
في العام 1947 كتب برهان الدين العبوشي مسرحيته "وطن الشهيد" وأعاد التركيز على الموضوع نفسه وقدم النصائح نفسها التي قدمها طوقان حين قال:
يا بائع الأرض لم تحفل بعاقبة / أما علمت بأن الخصم خداع
فكر بموتك في أرض نشأت بها / واحفظ لقبرك أرضا طولها باع 
كتب العبوشي يخاطب بائع الأرض:
"لو كنت ممن يعقلون
ويحذرون العاقبة
ما كنت تحفل باليهود
وبالنقود الذاهبة
أنى تطيب لك الحياة
وذي بلادك ساغبة
وشباب قومك عاطلون
وذي نساؤك نادبة
أتبيع قومك بالدراهم
لليهود الغاصبة ....الخ"
حدثت النكبة وتشرد 650،000 وصمد 160،000 وصادرت الدولة الإسرائيلية أملاك الغائبين بما فيها الجوامع والكنائس وواصلت مشروعها بسلب الباقين أرضهم، فكتب الأدباء الباقون عن الأرض وتغنوا بها وحثوا على الصمود عليها والتصدي للمعتدين وعدم التفريط بها، واحتفلوا في الثلاثين من آذار 1976 بإعلان يوم الأرض، من كل عام، مناسبة تعبر عن ارتباطهم بها، وقد كتب الأدباء عشرات القصائد والقصص القصيرة وبعض الروايات في الموضوع.
هل خلت الأدبيات الفلسطينية الصادرة في المنفى حتى العام 1967 من الموضوع نفسه؟
الكاتب السياسي ناصر الدين النشاشيبي كتب روايتين في 60 القرن العشرين أتت إحداهما وهي "حفنة رمال" على سعي الحركة الصهيونية على شراء الأرض بالوسائل كلها؛ الإغراء بالمال والنساء، فإن لم يتحقق لها ما تريد لجأت إلى العنف. هكذا تسعى لأرض ثابت الذي يرفض بيعها، فتغريه الوكالة اليهودية بسارة مسلمة الأب يهودية الأم، ولأن الدماء العربية تجري في عروقها تبوح سارة لثابت بالحقيقة فيصر على التشبث بأرضه ويقتل.
الموضوع الذي بهت في أدبيات المنفى تقريباً، بسبب آثار النكبة وانشغال الأدباء بها وبسبب ضياع الأرض عاد إلى الظهور في أدبيات أدباء الضفة الغربية وقطاع غزة، فأرضهم التي احتلت عمل الاحتلال الإسرائيلي على مصادرة أجزاء منها بالقوة والإغراء.
يبدو تتبع هذه اللازمة أمراً مجدياً، فأكثر النصوص التي أنجزت لم يكتب عنها معا حسب ما أعرف.
أشير ابتداءً إلى أن كُتاباً كثراً حثوا على الصمود وعدم الهجرة ومجدوا شجرة الزيتون، ولكن ما يعنيني هنا هو لازمة "بيع الأرض والعقار/ السمسار/ بائع الأرض" وقد حضرت في نصوص عديدة منها:
- قصيدة راشد حسين "هي... والأرض" من ديوان "أنا الأرض...لا تحرميني المطر" (1977).
كتب راشد على لسان امرأة تقدم لها عريسٌ باع أرضه ليدفع مهرها:
"وبعت التراب المقدس يا أنذل العاشقين/ لتدفع مهري؟!
وتبتاع لي ثوب عرس ثمين/ فماذا أقول لطفلك لو قال:/
"هل لي وطن"؟/ وماذا أقول له إن تساءل: "أنت الثمن"؟!!
كان هذا في 70 القرن 20، وفي 80 القرن 20 كتب أكرم هنية قصته "كل شيء وهذه النظرة بالذات"، وهي قصة لافتة في هذا الجانب إذ تأتي على ريفي باع أرضه لليهود فقاطعه أهل القرية كلهم وعاملته أسرته بجفاء فتجاهلته، بل إن ابنه الكبير الذي يعمل في الكويت تبرأ منه. وأرى أن هذه القصة بحاجة إلى أن تُقرأ من جديد. هل ما ورد فيها حدث شبيهٌ له في الواقع أم أن القاص يقدم تصوره لكيفية التعامل مع بائع الأرض؟
إن ما كان يجري قبل انتفاضة 1987 كان مختلفاً، فقد كان بعض أهل الضفة يلجؤون إلى المتعاونين مع الاحتلال لتصريف أمورهم، ولم يقاطعوهم إلا في انتفاضة 1987، وأظن أن الشيء نفسه حدث مع بائعي الأرض. إن قصة أكرم هنية تعيدنا إلى الفتاوى التي أصدرها الفلسطينيون في 30 القرن 20 بخصوص بائعي الأراضي والسماسرة وإلى قصيدة إبراهيم طوقان عن السماسرة:
"أما سماسرة البلاد فعصبة
عار على أهل البلاد بقاؤها".
لقد توقف (هِلل كوهين) في كتابه "جيش الظل: المتعاونون الفلسطينيون مع الصهيونية 1917- 1948" أمام بعض من باع أرضه لأسباب مختلفة، وكتب عن السماسرة تحت عنوان "الانتهازيون: سماسرة الأراضي" (ص 97 من ترجمة هالة الوعري ط1 /2015)، وأشار إلى أنهم "قلة لا تتعدى بضع عشرات" وهذا يتطابق وقول طوقان "عصبة".
هل اختلف الأمر بعد مجيء السلطة الوطنية إثر اتفاقات (أوسلو)؟
سوف أشير إلى ثلاث روايات قاربت الموضوع جزئياً وهي:
- "مقامات العشاق والتجار" 1997.
- "ترانيم الغواية" 2014.
- بلد المنحوس" 2018.
وهي تحتاج إلى مقاربة خاصة.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: