دفاتر الأيام

كعكة اليتيم

سما حسن

2018-10-18

يوم أن قال الأسبقون: ارحموا عزيز قوم ذل، فقد قالوها ورحلوا، لأن هذه السيدة العزيزة التي التقيتها صدفة وبدأت تحكي لي حكايتها لم يرحمها أحد، فهي من أسرة طيبة وعاشت حياة كريمة حتى تزوجت من شاب فقير أحبها وأحبته، ونبذها أهلها لاصرارها على الزواج منه، ولأن الحكاية تبدو حتى اللحظة مثل الأفلام الهندية التقليدية التي نشاهدها وحفظنا حبكتها، فقد عاشت معه في بيت صغير لا يزيد على غرفة واحدة، أقيم البيت في منطقة عشوائية، وبدون أي أوراق ملكية تثبت حقهم فيه، فقط جمع زوجها بعض الحجارة والزينكو واقام البيت وأحاطه بسور من اطارات السيارات.
ولأنها بنت عز كما يقولون، فقد حولت البيت الصغير الذي لا يزيد على غرفة ومطبخ وباحة ضيقة يلهو بها صغارها إلى تحفة فنية، فهي بأقل الامكانيات زرعت الاصص وعلقت البراويز الجميلة على الجدران، أما الشبابيك فقد غطتها بستائر حاكتها بنفسها من بقايا ثوب زفافها الذي أضافت له بعض الاكسسوارات، وبذلك فقد تحول البيت إلى تحفة تفننت بأن تجعلها تخلب لب كل من دلف إلى المكان.
رغم المعاناة من القصف على حدود غزة، وأمطار الشتاء التي تغرق البيت، إلا أنها كانت تعيش هانئة مع زوج محب وإن كان رزقه قليلاً، فلم يكن يحصل على عمل إلا بشق الأنفس كعامل بناء هنا أو هناك، ولذلك كان من الطبيعي أن تنتظر من يدق بابها مثلها مثل باقي الجيران الفقراء.
في أحد أيام رمضان الماضي- وكما روت لي- زار بيتها وفد من جمعية خيرية، وقد حملوا معهم كاميرات التصوير وعبوات كرتونية تحتوي على مواد غذائية ومعلبات، وقد تقافز صغارها فوق العبوات التي احتلت الأرض المفروشة بحصير نسجته بيديها، وبعد أن التقطت الكاميرات فرحة الصغار، جالت عيون أعضاء الوفد في المكان ووقعت على الستائر الجميلة فأشار كبيرهم إلى الآخرين بان يحملوا العبوات ويغادروا المكان، وهنا تعلقت صغرى بناتها بإحدى العبوات وصاحت: اتركها لنا يا عم، فصاح بدوره: أنتم لستم فقراء، من يملك المال ليشتري هذه الستائر الثمينة والمزركشة فهو بالطبع لا يحتاج لمعونات.
وغادر أعضاء الوفد بيت السيدة المستورة حاملين العبوات التي رآها الصغار ولم يتذوقوا ما بها، وبطونهم الخاوية بالتأكيد ظلت تناديها حتى غابت عن الأنظار.
 هذه هي كعكة اليتيم التي يقولون عنها، فهذه السيدة خلقت الجمال في بيتها المتواضع، وقررت أن تصنع أياماً حلوة تغطي على مرّ الأيام الحقيقي، ولكن الآخرين بخسوها ما تمنت وأرادت، فالآخرون يعتقدون أن الفقراء هم من يرتدون ثيابا ممزقة، ومن المؤكد أن بيوتهم قذرة وتخلو من أي لمحة جمال، ومن اللازم أن تكون خالية من لوحة أو برواز، أو حتى تحفة صغيرة صنعت من الخزف، وربما حصلت عليها العائلة كهدية أو هي تذكار من غائب أو عزيز.
مثل هذه القصة الكثير، والكثير منا لا يدرك أن الفقير يجيد التعفف ويجيد إخفاء الفقر حتى يمل ويكل، وقد يعمد إلى تنظيف بيته أكثر من الغني، وقد يهتم بأناقة ملبسه أكثر من الثري، وكم من ثري يبصق في الطريق أو هو يطل برأسه من نافذة سيارته الفخمة.
ولا تخلو بيوت الأثرياء من القذارة والفوضى وترى في بيوتهم الاستهتار ويتركون كل كبيرة وصغيرة لمدبرة المنزل، فتخلو بيوتهم بالتالي من لمسات الام الحنونة والتي تضفي بلمساتها جواً من الحب والترابط، ولكنها تنشغل بحياتها الاجتماعية ويصبح البيت لوحة خالية من الحياة أو لوحة مرسومة بلون واحد فلا تكتشف فيها سراً ولا مغزى ولا معنى، ولا تقرأ رسالة أو دعوة، فهي مزهرية بها بعض الورد الجاف لا أكثر.
هذه السيدة استكثر عليها أهل الخير ان تفوح رائحة الحب من بيتها، أن تهتم بكل صغيرة وكبيرة من خلال أصابعها وإمعان فكرها، ان تستغل القديم لتخلق الجديد، وان تنتفع بالموجود لأقصى الحدود.
 كم نجرم ونؤثم ونحن نريد من الفقراء ان يبقوا في انتظار إحساننا، وأن تفوح من بيوتهم رائحة الحاجة، ان للحاجة رائحة تجر الحزن والسخط، وتسحب من البيوت كل آيات السعادة، السعادة التي لا يشعر بها أعضاء الوفود الأغنياء قساة القلوب.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: