دفاتر الأيام

علي الخليلي وسيرته «بيت النار»

عادل الأسطة

2018-10-14

خمس سنوات مرت على رحيل الشاعر علي الخليلي، ولم يحتفل بالذكرى احتفالاً لافتاً يليق بالجهد الذي بذله الشاعر في خدمة الحركة الأدبية الفلسطينية في فلسطين. وربما ما يخفف من الحزن هو أن شعراء وأدباء آخرين مهمين كانت لهم إسهاماتهم الكبيرة الفاعلة والمهمة مرت ذكرى رحيلهم دون أن يلتفت إليهم أيضاً؛ سميح القاسم وسلمان ناطور واميل حبيبي وتوفيق زياد وراشد حسين وعبد اللطيف عقل وناجي العلي ومحمد القيسي ود.إحسان عباس و..و..و...
في هذا العام أقيم احتفال، بسيط وخجول ومتواضع، أحيته وزارة الثقافة الفلسطينية في نابلس، في مكتبة البلدية، يوم الثلاثاء في 2 تشرين الأول، شاركت فيه، فتحدثت عن الشاعر والأجناس الأدبية التي كتب فيها، وتساءلت إن كان لتنوع نشاطات الشاعر أثر في عدم دراسة شعره أو الأجناس الأخرى التي كتب فيها.
شخصياً آثرت أن أعود إلى سيرته الذاتية "بيت النار: المكان الأول، القصيدة الأولى "(1998) علني أجد فيها أشياء لم ألتفت إليها، من قبل، تساعدني في فهم الشاعر الذي صادقته من 1977 حتى 2013.
وأنا أقرأ سيرته تساءلت: هل حظيت منذ صدورها باستقبال نقدي لافت؟
ولأنني متابع للحركة الأدبية فإن الإجابة لي معروفة، إذ لو حظيت بمراجعات نقدية لكنت قرأتها بالتأكيد على صفحات الجرائد والمجلات وفي المقالات والدراسات النقدية لنتاج الشاعر، على قلتها.
كل ما أنجز عن الشاعر ورواياته وأشعاره وكتبه ليس لافتاً، وليس مميزاً. ولئن كانت رواياته روايات عادية لأنه لا يعتبر نفسه روائياً، فماذا عن أشعاره ودراساته في التراث، وهو ينظر إلى نفسه شاعراً وباحثاً في التراث ومهماً في المجالين، مع أنه يأتي في سيرته على بدء كتابة رواية قبل 1967؟
وأجزم أن سيرته مهمة جداً لدراسته شاعراً وباحثاً، فهي تضيء هذين الجنسين وتوضح لنا لماذا درس الأدب الشعبي والتفت إليه وقاربه مقاربة ماركسية، ولماذا اهتم بالمثل الشعبي وأغاني الأطفال والغول في الأدب الشعبي والبطل في الحكاية الشعبية، ولماذا أصدر ديوانه الشعري الأول بعد عودته إلى نابلس في 1977 تحت عنوان "الضحك من رجوم الدمامة" وكتب عن الدم الطازج في أزقة البلدة القديمة.
تقول السيرة الكثير عن المكان الأول الذي عاش فيه الشاعر وتأتي على حياة الأسرة الفقيرة المعدمة والأب المكافح من أجل لقمة العيش وتأمين مسكن جيد يكون بديلا لبيت الحارة في أحواش نابلس القديمة، حيث الخرافات والمعتقدات الشعبية والفقر المدقع. وقد كان لهذا كله؛ الأمثال الشعبية والخرافات وأغاني الأب المعبرة عن قسوة الحياة وبؤسها، كان لهذا كله تأثير على الطفل حيث اختزنت ذاكرته الكثير الكثير، وقادته بالتالي إلى الاهتمام بكل ما سمع وشاهد وعاش. وإلى جانب حكايات الأب وأمثال الحارة وخرافاتها كان لزاوية الصوفيين القريبة من فرن الأب "بيت النار" تأثير كبير على ميل الشاعر للشعر الغنائي، فقد كان يشاهد حلقات الصوفيين ويصغي إلى أناشيدهم، ما دفعه لقراءة أشعار ابن الفارض وابن عربي التي وفرتها له مكتبة المغربي القريبة من الفرن والزاوية، وهي مكتبة ما عاد لها وجود، وأعرفها شخصيا لأن صاحبها هو زوج خالتي "أبو سعيد المغربي".
والصحيح أن ما أذهلني وأنا أعيد قراءة السيرة هو البعد المكاني فيها. يحضر المكان فيها حضوراً لافتاً، ما يذكر المرء بأعمال قليلة مميزة التفت فيها إلى المكان التفاتاً واضحاً، منها "رأيت رام الله "و"منازل القلب "و"ظل آخر للمدينة "و"شارع فرعي في رام الله "و"كافر سبت "و"حرام نسبي" ومن قبل"اخطية "ومن بعد "بلد المنحوس" و"بردقانة" إلى حد جيد. والتفات كتاب النصوص السابقة المميز إلى المكان سببه واضح: لقد نشؤوا فيه وأقاموا عقوداً ولم يقرؤوا عنه في الكتب أو لم يزوروه زيارة عابرة..
عاش علي الخليلي طفولته في البلدة القديمة من نابلس، وحين استقر مع أسرته في بيته الجديد ظل ملتصقاً بالمكان الأول، ففرن الأب ظل في البلدة القديمة، وكان على الابن أن يظل مع الأب ولم تشفع له المدرسة في الابتعاد عن الفرن والبلدة القديمة وأزقتها وشوارعها، بل ومقاهيها وزاويتها ولغتها وأمثالها وحكاياتها."بلا مدارس بلا حكي فاضي" يقول الأب لابنه حين يقول الأخير لأبيه إن عليه واجبات مدرسية. وحين يختم القرآن ويريد أن يحتفل بالختمة مثل أقرانه يطنشه الأب ولا يلتفت إليه.
إن وصف المكان في السيرة لم يكن القصد منه إظهار القدرة على الوصف، ولم يكن الوصف من أجل الوصف، كما لدى كتاب الرواية الجديدة مثل (الن روب جرييه)، وإنما كان الوصف من أجل تبيان تاريخ المدينة وماضيها وإبراز انعكاس المكان على العلاقات الاجتماعية وأثر هذا كله على لغة الناس وأمثالها. هل أبالغ إن قلت إنني وأنا أقرأ السيرة عرفت منها أسماء مقاهٍ ومخابز أمر بها يومياً دون أن اسأل عن أسمائها؟
غير أن ما يلفت نظر الدارس هو قدرة علي على تذكر سنوات طفولته المبكرة جداً- أعني طفولته في الرابعة والخامسة من عمره. هنا يتذكر المرء سيرة جبرا ابراهيم جبرا "البئر الأولى" وهنا يثير المرء السؤال المهم: ما مقدار الصدق في الكتابة؟ وما مقدار تأثير الزمن الكتابي على الزمن السيري؟
وأعتقد جازماً أن للزمن الكتابي تأثيراً واضحاً بيناً.
هل أورد ما عقب به أخو الشاعر في احتفال إحياء الذكرى الخامسة على بعض ما قلت؟
في الصفحة 49 من "بيت النار" يأتي علي على أمه وجدته وجده لأمه وأبيه.
الجدة من كفل حارس وقد زوجت ابنتها من ابن المدينة وفضلت أن تزور ابنتها وأن تعمل على تمدينها وتنسيها الريف بناء على وصية زوجها جد علي، ولم تزر أم علي القرية لانشغالها بالحبَل والولادة المتواصلين، ولم يشجعها زوجها المشغول بفرنه. هكذا قيل لعلي وهكذا لم يزر قرية أمه وجدته.
حين قلت، في الندوة، ما سبق ابتسم أخو الشاعر وقال لي أما أنا فزرت القرية ولم تمنعني أمي، ولما أريته ما ورد في الصفحة 49 ابتسم وقال: هذا تمليح الكتابة.
ربما ما كتبه علي صحيح وربما هو لم يزر القرية وربما اختلف الأمر مع أخيه الأصغر سناً. ربما! غير أن ما لم يخفَ ولن يخفى على قارئ فطن هو تأثير الزمن الكتابي على الزمن السيري. إن ما يرد في السيرة عن زمن الطفولة يتشكل من وجهة نظري من الزمنين معاً؛ زمن الطفولة وزمن الكهولة/ زمن الكتابة، وليس الأمر مقتصراً على علي الخليلي وحده.
ومهما كان هناك من ملاحظات على سيرة "بيت النار"، فإنها تبقى نصاً أدبياً جميلاً أنجزه شاعر ظُلم مرتين؛ مرةً في حياته وثانيةً بعد رحيله.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: