إنقاذ "حماس" من نفسها

2018-10-11

بقلم: رونيت مارزن
انعدام قدرة حركة «حماس» على إدارة حياة السكان في قطاع غزة، والتصالح مع حركة «فتح» والتوصل لتسوية سياسية وعسكرية مع إسرائيل، كل ذلك يؤدي إلى زيادة الانتقاد داخل الحركة، ويقود إلى خلافات في الرأي بين النخبة المثقفة وبين النشطاء الميدانيين. مَن تصفح صفحات الـ»فيسبوك» ومقالات الرأي لإسلاميين شباب، مثل: أحمد أبو رتيمة وإسلاميين كبار، مثل: د. خضر محجز، ود. أحمد يوسف، بإمكانه أن يتعرف على التغيير الذي يجري في نماذج الخطاب الحمساوي والنقد الذاتي الذي عليها القيام به.
قرار د. أحمد يوسف، النشيط الحمساوي الذي يقف على رأس (بيت الحكمة) للاستشارة وحل النزاعات، أن يرفع على صفحته على الفيسبوك صورة ياسر عرفات محاطاً بجماهير الفلسطينيين، وأن يدعو الدكتور عز الدين أبو عياش الذي كتب كتاب «علينا ألا نكره» على الرغم من أنه فقد أبناء عائلته في عملية «الرصاص المصبوب»، لإلقاء محاضرة في اجتماع للمعهد، ولإجراء نقاش حول مبادرة المصالحة للدكتور عدنان مجلي، تشير إلى منحى جديد في الخطاب الإسلامي. يشير د. يوسف إلى خطأين أساسيين ترتكبهما حسب رأيه الحركة: الأول وضع «الأنا الحزبية» فوق «الأنا الوطنية» والثاني تبني سياسة الانغلاق والدوغماتية تجاه العالم الغربي.
يعدد د. يوسف سلسلة من الخطوات التي حولت «حماس» إلى حركة «إرهاب» غير شرعية ومعزولة: رفضها أن تضع جانباً خلافات الرأي لصالح الوقوف إلى جانب عرفات بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو؛ معارضتها لإشراك «فتح» في السلطة بعد فوزها في الانتخابات، وانزلاقها إلى مواجهة مسلحة معها (العام 2007)؛ وتمسكها في أن تضع المقاومة العسكرية فوق الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لجماهير الغزيين، وفرض خطاب ديني قمعي وفاسد، وتفضيل تحالفات مع دول إسلامية متطرفة على تحالفات مع دول مثل مصر، ورفضها التعاون مع «الرباعية»، فوراً، بعد فوزها في الانتخابات.
لا يريد الجميع مثل يوسف إجراء التغيير من داخل الحركة. يوجد من بين مثقفيها أشخاص قرروا الانسحاب وانتقادها من الخارج، ومن بين هؤلاء الدكتور خضر محجز، ابن الـ 66 عاماً، وهو كاتب ومحاضر يسكن في قطاع غزة. في صفحته على فيسبوك يشرح أن الأحزاب القمعية لم تعد تشكل بيتاً بالنسبة للمثقفين، وقد فقدت شرعيتها الأخلاقية في أن تحكم. محجز ينتقد بصورة شديدة التصريحات عديمة المسؤولية لزعماء «حماس» بشأن الاستعداد للحرب، في حين أنه فعلياً لا يوجد ملاجئ، والمواطنون يستخدمون كدروع بشرية للمقاتلين. حسب أقواله حتى خالد مشعل اعترف في أحد خطاباته بأن «المقاومة» فقدت عدداً قليلاً من الشهداء، أي أن معظم الشهداء هم مواطنون مدنيون. لا يستثني محجز من انتقاداته مقاتلي الذراع العسكرية، الذين فقدوا حسب ادعائه الهالة التي كانت لديهم في نظر شعبهم بعد أن تقلصت المواجهة العسكرية مع إسرائيل، ووجهوا بنادقهم تجاه أبناء شعبهم.
إلى جانب البالغين، هنالك أيضاً شبان ينادون بالنقد الذاتي والإصلاح في طرق التفكير التقليدية للحركة. أحدهم هو أحمد أبو رتيمة، وهو صحافي يعمل أيضاً كمتحدث باسم مبادرة مسيرات العودة. يكثر أبو رتيمة من تناول الأزمة الثقافية التي تحل بالعالم العربي الإسلامي، والذي حسب ادعائه تبنى الانغلاق الفكري والعنصرية وكراهية الأجانب بدلاً من قيم إنسانية متنورة. تحويل الخطاب الديني الإنساني والمتسامح لخطاب ديني دوغماتي وقمعي أدى بشبان كثيرين إلى زيادة التطرف والبحث عن انتقام. في الواقع الحالي يعتقد أبو رتيمة أنه ليس للفلسطينيين مناص سوى تأييد حل «الدولة الواحدة»، والذي يلائم روح العصر أكثر من الدعوة لتدمير إسرائيل أو المطالبة بإقامة دولة فلسطينية. من أجل هذا عليهم التمسك بالنضال الشعبي غير العنيف والذي يحرم إسرائيل من تبرير العنف تجاههم.
الثلاثة جميعهم يوصون «حماس» بأن تضع «الأنا» الوطنية فوق «الأنا» الحزبية، وأن تنهي الانقسام، وأن تنشئ حزباً مدنياً وبراغماتياً يضم نساء ومسيحيين والاستعداد لإنشاء سلطة مع أجسام وطنية وليبرالية؛ وتأسيس ثقافة تنظيمية جديدة تشجع التعليم، وحرية التعبير، والنزاهة والاستقامة؛ والفصل بين الجسم العسكري والسياسي وتبني سياسة انفتاح تبرز الطابع المدني والمتوازن للحركة ومعارضتها للتطرف و»الإرهاب»، وترسيخ الوثيقة السياسية الجديدة كمصدر للصلاحيات للحركة من دون أن تكون مقيدة بمنشورات سابقة (ميثاق «حماس»)؛ والاعتراف بأن الكيان الإسرائيلي موجود، ولكن ليس بالضرورة الاعتراف به. بالإمكان احترام عقيدة أهل الكتاب اليهود والنصارى وفي الوقت ذاته معارضة الاحتلال والمطالبة بإعادة اللاجئين لأراضيهم.
بالإجمال، إذا أرادت «حماس» أن تعيش سياسياً فعليها التحرر من الفرضيات الأساسية الدوغماتية والأهداف غير الممكنة التي وضعتها لصالح أهداف حقيقية وممكنة في ظل ميزان القوى الحالي. إلى جانب ذلك، إذا أرادت القيادة الإسرائيلية تسوية سياسية بعيدة المدى يجب عليها أن توضح لـ «حماس» أنه لا يوجد أي احتمال للتوقيع على اتفاق منفصل معها كنتيجة لمواجهة عسكرية.   

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: