التفسير المختلف عليه لـ "أوسلو": هكذا تآكلت الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين

2018-10-10

بقلم: شاؤول أريئيلي

قضية الثقة بين إسرائيل ومنظمة التحرير من أكثر ما يدلل على فشل الطرفين في التوصل إلى اتفاق دائم، بعد عامين من التوقيع على اتفاق أوسلو (إعلان المبادئ). فقدان الثقة هو نتيجة الخروقات الشديدة من قبل الطرفين للاتفاق («إرهاب»، توسيع مستوطنات، وغيرها). لقد وجد تعبيره في الزيادة في عدد الصفحات التي أضيفت لكل اتفاق، من أجل منع العمل حسب التفسيرات الشاذة عن روح الاتفاق؛ بإضافة اتفاقات (اتفاق الخليل، مذكرة واي ريفر) من أجل إعادة صياغة أكثر تفصيلاً وشرحاً للمواضيع التي سبق واتفق عليها؛ وبالانحراف الآخذ في التزايد في البرنامج الزمني الذي حدد في تطبيق كل واحدة من المفاصل الأساسية في العملية.
علاوة على ذلك، فإن أقوال المعارضين لكل عملية سياسية مع الفلسطينيين بمقالات ومقابلات في ذكرى الـ 25 عاماً على الاتفاق – محاولتهم وصف اتفاق اوسلو كمؤامرة متعمدة من قبل عرفات منذ البداية، هو إعادة كتابة سياسية للتاريخ.
الادعاء بأن هذه المؤامرة استهدفت الحصول على ثقة رابين وبيريس، وأن ذهاب الفلسطينيين للمفاوضات من أجل إقامة دولة فلسطينية استهدف فقط إعادة اسرائيل «للحدود الضيقة التي سبقت حرب الأيام الستة، وفيما بعد تجديد هجوم التدمير على الدولة اليهودية من هذه الحدود»، كما كتب نتنياهو، ليست سوى قلب للتاريخ.
نقطة الضعف الأساسية لاتفاق أوسلو كونه إطاراً تدريجياً متعدد المراحل، ينقصه المعايير لتحديد الوضع الدائم، باستثناء قرار مجلس الأمن 242 («الارض مقابل سلام»). أي أن الأطراف وقعوا على اتفاق «مثقّب كجبنة سويسرية»، أخرجهم إلى رحلة دون تحديد هدفها النهائي. التفسير المختلف الذي يعطيه كل طرف للاتفاق والوضع الدائم الذي رآه في خياله، هو ما  أوجد الخروقات من قبل الطرفين ودمر الثقة بينهما، خروقات كانت في أساسها محاولات من قبل الطرفين لتشكيل واقع يخدم رؤيتهما.
في هذا الصراع شاركت الأطراف الممثلة الرسمية – حكومة اسرائيل ومنظمة التحرير- ولكنهم مكنوا المعارضين للاتفاق من أن يشاركوا فيه تحت حجة الافتراض الذي خيَّب الآمال، بأنه يمكنهم السيطرة عليهم والتحكم بـ» ارتفاع ألسنة اللهب التي سيشعلونها».
هكذا وفي عملية دوارة عززت الخروقات قوة معارضي الاتفاق (فوز «حماس» في انتخابات السلطة الفلسطينية وتشكيل حكومات قومية متطرفة - مسيحانية في اسرائيل)، وهؤلاء عادوا لتأجيج الوضع إلى درجة فقدان الثقة ووقف العملية السياسية.
خلافاً لادعاءات معارضي الاتفاق بأن التدرج في العملية وغياب مخطط نهائي للوضع الدائم خدمت الفلسطينيين في إحياء «نظرية المراحل»، فإن الحقيقة التاريخية معاكسة.
إن اختيار عملية تدريجية كان هو رأي رابين منذ فترة ولايته الأولى، قبل حوالى عقدين من «أوسلو».
في العام 1977 أعلن: أفضل اتفاقات مرحلية، مع فترة اختبار ما بين المرحلة والأخرى على محاولة التقدم مرة واحدة نحو اتفاق شامل»، «والانتقال إلى سلام حقيقي هو عملية وليس حدثاً لمرة واحدة».
هذه المقاربة تم تبنيها من قبل خليفته مناحم بيغن الذي وَقع في 1978 في كامب ديفد مع السادات على اتفاق الإطار لحكم ذاتي فلسطيني، المشابه لدرجة مدهشة في تفاصيله لاتفاق أوسلو.
بعد سنتين من ذلك كان محزناً أن نكتشف أن رابين اختار اختبار الفلسطينيين، ولكنه لم يكن قادراً على رؤية امكانية أن المعارضين لكل تسوية سيستغلون التدرج لكي يضعوا العصي في دواليب العملية السلمية الى أن  أضاف أحدهم لذلك ثلاثة رصاصات في ظهره.
الأهم من ذلك هو حقيقة أن الضبابيبة وغياب الهدف النهائي التي فرضت على منظمة التحرير الفلسطينية، حيث كانت في الحضيض من حيث مكانها وقدراتها، استهدفت خدمة رؤية اسرائيل للتسوية الدائمة والتي كانت معاكسة للرؤية الفلسطينية.
حسب وجهة النظر الفلسطينية، فإنهم أعطوا كل شيء وقاموا بالتنازل الوطني التاريخي والأساسي في العام 1993.
لقد اعترفوا باسرائيل وتنازلوا عن 100 في المئة من وطنهم فلسطين مقابل دولة فلسطينية على 22 في المئة منها. ومثل باقي العالم فإن م.ت.ف فسّرت قرار 242 كانسحاب اسرائيلي كامل من «المناطق» التي احتلت في حرب «الأيام الستة».
بناء على ذلك فإنها رأت في موافقة اسرائيل «على السير نحو الاتفاق النهائي، القائم على قرارات مجلس الأمن 242  و 338» كما ورد في اتفاق أوسلو، الهدف النهائي، الذي سيؤدي إلى انشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطلع غزة عاصمتها شرقي القدس، أي ان دور اسرائيل في تطبيق التسوية يبدأ فقط بعد أن أعطى الفلسطينيون ما استطاعوه ولم يتبقَ لهم سوى الاعتقاد بأن اسرائيل ستنفذ ما عليها.
بالمقابل، الجانب الاسرائيلي، الذي أيد سلطة  دويلة محدودة، طالب بأن تكون قاعدة المفاوضات هي مبدأ التسوية المعقولة، والتي تأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي تشكل منذ العام 1967 وتهتم بالمصالح الأمنية والاستيطانية لاسرائيل. أرادت اسرائيل الانفكاك من «الشرعيات الدولية» التي حددها قرار 242 في صيغة «السلام مقابل كل الأراضي».
هي أكدت على بند آخر من القرار والذي يعنى بـ»حدود آمنة ومعترف بها»، من أجل المطالبة وإبقاء أجزاء واسعة من الضفة الغربية تحت سيادتها.
في خطاب في الكنيست في تشرين أول 1995 من أجل المصادقة على الاتفاق المرحلي قال رابين: «نحن نريد أن يكون هذا كياناً أقل من دولة: حدود دولة اسرائيل، حتى الحل الدائم، ستكون وراء الخطوط التي كانت قائمة قبل حرب الأيام الستة».
نتنياهو، الذي انتخب في العام 1996، كتب قبل عام من ذلك «خطة الحكم الذاتي تحت سيادة اسرائيل هي البديل الوحيد». باراك، الذي ازاحه في العام 1999، رفض استخدام مفهوم «دولة فلسطينية»، ورأى ان هدف الاتفاق هو تقسيم معقول لـ «يهودا» و»السامرة».
المفاوضات على الاتفاق الدائم، والتي بدأت فقط في نهاية 1999، أبرزت الاختلاف المبدئي بين رؤية الطرفين، وشجعت الادعاء بشأن المصلحة الاسرائيلية الاساسية في الضبابية والامتناع عن تحديد المخطط الدائم، من ناحية الفلسطينيين فان المفاوضات استهدفت الوصول الى تحقيق حقوقهم كما حددتها « الشرعيات الدولية» وليس كنتيجة لعدم التناظر القائم مع اسرائيل. بناءً على ذلك فقد طالبوا ان تبدأ المفاوضات بالموافقة على المبادئ القائمة على القرارات الدولية، وفقط في مرحلة ثانية تتناول التفاصيل.اسرائيل بالمقابل طالبت الموافقة على التفاصيل حتى في صورة لا تتواءم مع القرارات الدولية. وفي مرحلة لاحقة تقرر ان التفاهمات التي تم انجازها تعبر عن القرارات الدولية.
هذه المقاربة اوجدت مفاوضات، بقي للفلسطينببن فيها التمسك بموقفهم المبدئي في حين ان اسرائيل تغير موقفها من جولة لأخرى.هذا النموذج سرعان ما ولّد اسطورة مرفوضة في اوساط الجمهور الاسرائيلي تقول انه»في كل مرة يعطون فيها شيئا للفلسطينيين  فانهم فقط، يطلبون المزيد.
الفلسطينيون لم يطلبوا المزيد بل دائما طالبوا بالشيء ذاته، حتى يتم قبول موقفهم من قبل اسرائيل والولايات المتحدة في عملية انابوليس في 2008. في المرحلة الثانية اظهروا مرونة في المواقف وقبلوا فكرة تبادل الأراضي، التي تسمح ببقاء معظم الاسرائيليين الذين يسكنون خلف الخط الاخضر تحت السيادة الاسرائيلية. اضافة الى ذلك فإن هذا النموذج من المفاوضات ادى الى تضييع وقت ثمين ومكّن المعارضين في كلا الطرفين من التسبب بتآكل الثقة بين الجانبين عن طريق «ارهاب» قاتل وتوسيع مشروع الاستيطان.
ان غياب مخطط للحل الدائم في «اوسلو» والخطوات التي اتخذها الطرفان لتشكيل الواقع حسب رؤيتهم، جبت ثمنا دمويا باهظا وزائدا. الواقع الحالي، حتى وان لم يكن بالامكان معرفة كم من الزمن سيستمر، يخدم اكثر مصالح معارضي الاتفاق في اسرائيل.
تخلت اسرائيل عن مسؤولية ادارة حياة الفلسطينيين ونقلتها للسلطة الفلسطينية، والتي فقط 40 في المئة من المنطقة واقعة تحت مسؤوليتها، وموازنتها قائمة على سخاء الدول المانحة. ضاعفت إسرائيل بثلاث اضعاف عدد الاسرائيليين في الضفة، وهي تتحكم باقتصادها. مؤخرا فإنها تحظى بتاييد غير محدود من الادارة الامركية وأعضاء الائتلاف الحاكم لضم اجزاء واسعة من الضفة وانقراض حل الدولتين.
هنالك من يؤمنون بأن «الصفقة النهائية» للرئيس ترامب سيكون فيها ما من شأنه تسوية النزاع. من بين عبر اخرى من عملية «اوسلو»، ايضا هذه العبرة، فيما يتعلق بالهدف النهائي وبناء الثقة بين الطرفين، يقتضي ان يشكل عمودا اساسيا في كل محاولة مستقبلية.

 عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: