استمرار السيطرة على الشعب الفلسطيني يعرّض مستقبل إسرائيل للخطر

2018-10-10

بقلم: عاموس هرئيل
بعد أكثر من سبعين سنة على وجود إسرائيل، فان الرؤية الصهيونية لدولة اسرائيل – مثلما نصت عليه وثيقة الاستقلال - لا تتناسب مع واقعها الحالي، بل اكثر من ذلك؛ مع الميول المستقبلية الناشئة عنه.
هذا واقع «تنزلق» فيه إسرائيل رويداً رويداً وبالتدريج إلى تثبتها كدولة واحدة لشعبين بين البحر المتوسط ونهر الاردن. دولة كهذه بالضرورة ستكف عن أن تكون يهودية أو ديمقراطية، ولن تتمكن من اتباع مساواة كاملة بين مواطنيها فيما يكون شعب ما محكوماً من شعب آخر بخلاف ارادته.
لقد أجرى معهد بحوث الامن القومي، الذي يرى في هذا التدهور خطرا على مستقبل دولة اسرائيل، بحثا جذريا في جملة من المستويات وفحص سلسلة من الخيارات لبلورة صيغة سياسية – أمنية، مسؤولة وواقعية تسمح بانفصال سياسي واقليمي عن الفلسطينيين. والاستنتاج الواضح الذي نبع من هذا البحث هو ضرورة التوجه الى صيغة متعددة المسارات مع أفق واضح، لا يكون مفروضا بسبب ضغط دولي أو في اعقاب حدث تكتيكي كهذا أو ذاك، بل يعبر عن سياسة في مركزها مبادرة اسرائيلية مستقلة لتصميم مستقبلها على نحو أصح، في ظل الحرص على المعايير الحيوية للحفاظ على طابع وأمن اسرائيل على المدى البعيد.
ظاهراً، اسرائيل والفلسطينيون على حد سواء ملتزمون (بشكل معلن على الاقل) منذ 25 سنة بحل الدولتين لشعبين، الذي يفترض أن يتحقق في المفاوضات وتوفير رد متفق عليه ونهائي في تسوية دائمة لكل المسائل الجوهرية: الحدود، القدس، اللاجئين والأمن. ولكن الطرفين فشلا في تحقيق الاتفاق المرة تلو الاخرى، فيما فشل المفاوضات، التي أدارها وزير الخارجية جون كيري في 2014، كشف مرة اخرى عن الفجوات المتسعة في مواقف الطرفين في محاولة للوصول الى اتفاق دائم.
في اوساط الطرفين يتبلور الرأي بأن الاتفاق الدائم ليس ممكنا في السنوات القريبة القادمة. فالميول الحالية في الرأي العام وفي القيادات في القدس، رام الله وغزة، تسد الطريق في وجه حل شامل، متفق عليه ومستقر للنزاع الاسرائيلي - الفلسطيني.
لقد تثبت في اسرائيل فهم «ادارة النزاع» انطلاقا من فرضية قوية بأن المخاطر فيها أدنى من التوقيع على الاتفاقات بمبادئ ليست مقبولة على اسرائيل وتعرض أمنها للخطر.
حتى وإن كانت هذه السياسة صحيحة على المدى القصير، من الواضح أنه على المدى البعيد يؤدي استمرار سيطرة اسرائيل على الشعب الفلسطيني وتعميق الاستيطان في قلب الارض الفلسطينية الى مس خطير بالطابع اليهودي، الديمقراطي والاخلاقي للدول.
يعرض معهد بحوث الأمن القومي في بحثه صيغة عمل لتحسين وضع اسرائيل الاستراتيجي في الساحة الاسرائيلية - الفلسطينية.
هذه ثمرة عمل بحثي معمق ومتعدد الابعاد، شارك فيه باحثات وباحثو المعهد، الى جانب طاقم ارشاد خارجي ضم مسؤولين كبار في المستويين السياسي والعسكري، يعرفون بعمق المحيط السياسي والأمني لاسرائيل، كانوا في مركز اتخاذ القرارات فيها في العقد الاخير.
تعكس الصيغة تصميم اسرائيل على العودة الى سياسة مؤيدة للفاعلية لتغيير الاتجاه والميول الاشكالية التي تتطور فيها اسرائيل في المدى البعيد.
لقد صممت الصيغة في اعقاب بحث مقارنة، تضمن فحصا وتحليلا لبدائل سياسية مختلفة وسيناريوهات مستقبلية محتملة، وغايتها تصميم واقع استراتيجي محسن لاسرائيل في ميل انفصال سياسي، اقليمي ومدني عن الفلسطينيين. الهدف واضح: صد التدهور في الطريق الى دولة واحدة، وحفظ قدرة الخيار والمرونة الاسرائيلية بين خيارات مختلفة في المستقبل.
تقوم الصيغة على اساس النتيجة البحثية التي تقول إن الرأي العام في اسرائيل ومعظم أجزاء الطيف السياسي في اسرائيل، يرون بالايجاب الانفصال عن الفلسطينيين، اضافة الى اساس الفحص المعمق لمواقف الاسرة الدولية وقسم من الدول العربية. لمثل هذه الصيغة احتمالية لا بأس بها لنيل التأييد – حتى وإن كان متحفظا – من اجزاء من الجمهور والقيادة الفلسطينية. ولكن من المهم التشديد على أن الصيغة تسمح بتصميم واقع استراتيجي محسن لاسرائيل حتى في غياب استعداد فلسطينيين للوصول الى توافقات وتسويات سياسية. في هذا السياق ينبغي التشديد على أن الصيغة لا تقترح حلا سياسيا شاملا، ولهذا فانها لا تتضمن حلولا دائمة للمسائل الحساسة – القدس والحرم، اللاجئين والمستوطنات – التي يتقرر مصيرها في اتفاق شامل مستقبلي.
المفهوم الأمني في الصيغة لا مساواة فيه، انطلاقا من الفهم بأنه دون أمن لا يمكن لأي حل أن يصمد. ويستند مفهوم الامن الى حرية عمل تنفيذية للجيش الاسرائيلي في كل الأرض من غرب الأردن، في ظل تقليل الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين؛ استكمال الجدار الأمني؛ السيطرة الحصرية في غور الأردن، في المعابر، في المواقع وفي المحاور الاستراتيجية؛ تعزيز التعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية وتعميق التنسيق العملياتي مع الدول المجاورة – مصر والأردن.
تشير الصيغة الى عدد من المسارات للوصول الى الهدف، في ظل التمسك بمبدأ منظم يقضي بأنه يجري كل الوقت تقدم مصمم لا يتوقف في حالة الوضع الراهن «الستاتوسكو» اذا ما سد أحد الطرق.
والانتقال بين المسارات يتم وفقا لتقويم الوضع الاستراتيجي وانطلاقا من الفهم بأنه ليس صحيحا الابقاء بيد الفلسطينيين الفيتو على صورة دولة اسرائيل المستقبلية.
تتضمن الصيغة خطوات تثبت المصالح الاسرائيلية وتخلق مسارات سياسية وأمنية في حالة عودة الفلسطينيين الى المفاوضات، ولكن ايضا في غياب اختراق سياسي – تثبت الصيغة اسرائيل في «حالة توقف» اكثر أمنا واستقرارا. ويستند التطبيق إلى المرحلية والتنوع، ما يتيح مرونة في الاختيار بين مسارات التقدم، وفقا للظروف السياسية المتغيرة ومدى تعاون السلطة الفلسطينية. تتضمن الصيغة في داخلها المصالح السياسية، الامنية والاقليمية لاسرائيل، تحسن شرعية اسرائيل ومكانتها الدولية والاقليمية وتدعم تعزيز قدرة الحكم، الاقتصاد والبنى التحتية الفلسطينية.
في السنوات القريبة يوجد لدولة اسرائيل نافذة فرص نادرة، تلتقي فيها ظروف استراتيجية وسياسية فضلى تسمح باتخاذ سياقات تحسن وضعها الجغرافي السياسي. نرى في تطبيق الصيغة أمر الساعة وفرصة لتصميم مستقبل دولة اسرائيل وترسيخ الرؤيا الصهيونية التي على صورتها تصممت وتواصلت في غايتها دولة يهودية، ديمقراطية، آمنة وأخلاقية، ذات شرعية داخلية ودولية.

عن موقع «معهد بحوث الأمن القومي»

*النص مقدمة لمذكرة سياسية بعنوان «صيغة استراتيجية للساحة الاسرائيلية الفلسطينية» تستهدف الخروج من الوضع الراهن.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: