مقالات

«هبني أجنحة»: دعوة عميقة للبقاء في الوطن

تحسين يقين

2018-09-22

 كان لا بد من الصدمة، حتى لا تظل العصافير تغادر بيوتها، لتنام إلى الأبد في خضم ظلمات البحر، إلا إذا طفا جسد فتلقفته أيدي البحارة لتعيده إلى بلاده، إن عرفت بلاده، جثة باردة.
هي مضامين حياتنا العربية، قضايانا الموجعة، من يأس من البلاد للفرار منها، وما يرتبط به من سوء إدارة وحكم تغيب فيه أدنى شروط العدالة والكرامة الإنسانية، حيث يصير الخلاص الشخصي سائداً، حتى ولو اضطر لمغامرة ركوب جسر واهٍ فوق ماء لا ترحم. هي قضايانا الاجتماعية، التي لم يأخذ التنوير مداه، بما يضمن الاستقرار النفسي، وهي نفوسنا القلقة الباحثة عن ملاذ آمن من كل ذلك.
هنا تصبح الكتابة رديف الترحال المغامر، أو لعلها محاولة للنجاة، جسدياً ومعنوياً، وأخلاقياً، وانتصاره لإرادة الإنسان؛ لذلك فإن الكاتبة اختصرت ذلك في كلمات الإهداء:
"إلى من حاول العبور عبر مركب وقلم، يرجو الطفو فوق لجج تغتال الرفض فتصيبه بالخرس، إلا أنه ينتفض حتى لا يموت صامتاً".
 تلك كانت كلمات الإهداء؛ فثمة محاولتان هنا، محاولة عبور البحر هجرة اختيارية للبحث عن فرص حياة أخرى يهبها الشمال هناك، هجرة أقرب للرفض منها لمعنى الهجرة غير المحببة، أما الثانية فمحاولة التعبير والنقد ورفع الصوت احتجاجاً، من خلال الكتابة. تجمع المحاولتين انتفاضة التعبير.
لكن بالرغم من رمزية العنوان، "هبني أجنحة" الذي يتجاوز النجاة من الغريق من خلال الطيران بهما بعيداً عن البحر باتجاه أول البرّ، لما هو أعمق، إلا أن متن النص، خصوصاً في النهايات، يؤشّر على أن الخلاص لا يتحقق إلا بالفعل، ولا يضير الفعل وقتها أن اقترن بروحانية أمل الدعاء.
"سرعان ما اشتعل فتيل الرفض، ولفظت المقاهي كل اجسادها الذاهلة، وخرج اليأس الى الشوارع نافضاً صمته، واحتد صوته المتحشرج، وأحاطت به الهراوات، إلا أنها هذه المرة لم تطله، لأن أجنحته المجزورة نبتت وعظمت وأفلحت في التحليق". ص 194
تلك هي ثورة الياسمين في تونس، التي تنبأت بها الكاتبة الروائية عفيفة سعودي السميطي، في روايتها، "هبني أجنحة"، التي صدرت قبل الثورة بعام، أي في 2009.
هل كانت الروائية هنا زرقاء اليمامة، لترى صيرورة الفعل الإنساني؟
في روايتها، اختارت أسرة عادية مسالمة، محمود الأب وفريدة الأم، مريم وزهرة وراضي. مثلت مريم جزءاً من السرد، حيث سوء الوضعين: الاقتصادي بمحدودية الدخل وانتشار البطالة، والاجتماعي باستغلال المرأة بشكل خاص. ترتبط مريم بصديقتها نوال التي تمثل التمرد الاجتماعي، ويوسف الصحافي الذي يمثل الرفض والتمرد السياسي. تنشأ صداقة حميمية بينها وبين نوال، في حين تكون قد دخلت حالة الحب مع يوسف الذي يختار التظاهرة موعداً غرامياً، تكون نتيجته إكمال الموعد في المستشفى. ففي حين يصبح مصير يوسف المعتقل، فإن مصيرها هي الأخرى يقترب من ذلك، لسبب تلك العلاقة.
هنا نجد أنفسنا إزاء حالتين من الشعور، الشعور بالحب كشعور جميل: "عندما يشتد حضوره تتحرك أشياء كثيرة في أحشائها وكأنه حمل حديث العهد، تخجل من الاعتراف بعنف حضوره فتطمره حتى لا يظهر شيء منه وتصمت حتى لا ترتعش شفتاها وهو يمر عبر أنفاسها" ص 44، والشعور بالخوف بسبب الارتباط بصاحب رأي سياسي تهمته أنه معارض.
وهنا تتقاطع مصائر الشخصيات، راضي الأخ الذي يضطر للعمل كبائع متجول مع صديقه أحمد، كخريجين عاطلين عن العمل، ما يلبثان أن يقررا الهجرة غير الشرعية التي يطلق عليها في تونس "الحريقة"، حيث يسلّم صاحب المركب غير الشرعي المهاجرين للبحر، فلا ينجو غير راضي، متأملا في ذلك كله، هل يستحق الإنسان كل هذا العناء:" يغربلن رمال الشواطئ حتى لا ينسين رائحة أبناءهن" ص 130.
فإذا حاول أحمد وراضي يحاولان الخلاص الاقتصادي عبر الفرار، فقد اختارت الأخت زهرة الخلاص الاجتماعي بعدم الاستسلام لاستغلال التاجر مراد، فتضحي بعملها، في وقت تعزّ فيه فرص العمل. في الخلاص الاجتماعي هنا، ثمة تفاوت في الإرادة من جارة مريم السيدة أحلام التي يقمعها زوجها باستمرار، إلى نوال الصديقة التي تملك القوة بما يجعلها تعبّر عن الرأي ضد عنف الذكورة من جهة، إلى نقد الحكم السياسي من جهة أخرى، رابطة بين نوعين من الاغتصاب: جسد المرأة والحكم، وما ينتج منهما من أنّات نهار وليل. يتحلى ذلك في الحوار المعمق بين مريم ونوال، خصوصا في مجال عمل المرأة خارج البيت وما ارتبط به من قمع واستلاب وهروب للرجل:
 "انظري الى الفخ الذي وقعت فيه..عندما وهبها الرجل الحرية ساومها وقبض الثمن تملصا من دورها القديم..وأشرع نافذة للتحليق فانقسمت النساء الى قسمين: نصف يرزح تحت وطأة العمل والأطفال والزوج، ونصف أفرزه هذا الوضع..نساء يحتفين برجال فارين عبر نوافذ أشرعوها فرارا من عبء ألقوه على عواتق نساء رضخن بفعل الأمومة لهذا الوضع وأصبحن فريسة للحبوب المهدئة" ص 21
بل تكمل نوال نقدها لما هو سائد من غبن في العلاقة بين المرأة والرجل:
"لم يتلاش الرق رغم كل هذه الحضارات، فلا تزال المرأة تهدي الرجل جسدها لذة كلما رغبت في الحصول على شيء" صفحة 21
هنا، لا مجال إلا للربط بين ما هو اجتماعي وسياسي: الطاعة!
يحرر الوعي الاجتماعي نوال، ويمنحها القوة، لكنها تدفع ثمن ذلك نفسياً، في الوقت الذي دفع يوسف ثمن وعيه السياسي بنفيه إلى المعتقل.
ولعلّ الصفحات من 19 حتى 24، تعبّر عبر الحوار بينهما عن هذا الوعي وتلك الإرادة، التي تثور على العقد التاريخية لدى الذكر والحاكم معاً!
وهنا، انطلقت الكاتبة من الشعور العاطفي الشخصي إلى الخلاص الوطني، بل والخلاص القومي بتذكر ما يضطرب من نزاعات دموية في البلاد العربية، نتيجة لاستبداد الحكم. وكل ذلك يتم بعدم تكلف السرد، وبانسيابية طبيعية بين التعبير عن الهم الذاتي والهم العام. إنها شخصيات واقعية جداً، حتى ولو اكتسبت أحياناً مثالية ما، كما لدى مريم ويوسف ونوال وراضي وأحمد.
وإذا غضضنا البصر قليلا عن اللغة الانفعالية والخطاب في الرواية، بما يلائم جوها العام من جهة، وكون الرواية هي الأولى للكاتبة، فإننا نزعم أننا أمام كاتبة ذات قدرة هائلة على الوصف بلغة جمالية عميقة لدرجة شعورنا مثلا أننا نرافق راضي وأحمد في تجوالهما عبر التلال الوعرة، كما في الصفحات من 42 -حتى 45.
وقد بلغت الرواية مداها الوصفي في وصف الرحيل عن المكان، والموت في لجج البحر في الجزء الأخير من الرواية.
والمميز في لغة الكاتبة أن جمالياتها لا تقف فقط عند حدود اللغة فقط بل تتجاوز ذلك إلى التعبير العميق إنسانياً، مثال ذلك: "نصف لذة"، الأمومة تحدث دون حمل".
إنها لغة جزلة وغير معقدة قادمة من الداخل، من داخل النفس أولاً، ومن واقع البيئة ثانياً، ومن واقع السياق الشعوري ثالثاً، وهي لا تخلو من حكم وفلسفة ومسحة روحانية غاية في السمو، من خلال الربط البصري والصوتي بالمآذن والأذان؛ بما يلائم الأمل عبر الدعاء كما أسلفنا.
لكن بالرغم من المحاولة الأولى للكاتبة التونسية، إلا أن تأمل تقنيات السرد، يجد اجتهاداً لديها، بما جعلها ترتقي من السرد العادي المتتابع، إلى السرد الروائي المعاصر، من خلال البدء بالسرد العادي إلى اللعب بالزمن، باستدعاء الماضي من ناحية، والاستدعاء المكاني من ناحية أخرى، كحال سرد فصول كل من المستشفى والتظاهرة ويوسف، في حين تعود إلى السرد في آخر الرواية، كون الحدث الجلل هو البطل هنا لا التقنية الروائية بحد ذاتها.
لكن هناك ما يمنح الأمل!
فبالرغم من تصوير الرواية للهجرات من الوطن يأساً، إلا أنها تعمّق حب الوطن، وتؤكد على حضوره، تجلى ذلك بمشهد مؤثر جداً في القارب، حين يبكي أحد الشباب المهاجرين حزناً على هذا الرحيل المؤلم:
"اكتفت أجسادهم بالالتفاف حوله وبإدفائه من صقيع الخوف، وشعروا فجأة أن تلك المساحة الضئيلة المهتزة والتي تسرع بهم نحو البحر تتحول فجأة الى وطن صغير يضم كل اضطراباتهم" ص 159.
نعم وطن صغير يكبر بحجم الأوطان حين يصير التضامن الإنساني سائداً خلال الحياة، لا خلال الرحيل الخائف فقط:
لعل العبارة "إلى أي مكان يمنحني أجنحة"، لا تعني حقيقة إلا الوطن الحبيب الأكثر دفئاً، وكأنها تذكرنا بهذا البيت:
بلادي وإن جارت علي عزيزة / وأهلي وإن ضنوا علي كرامُ
كان ذلك قبل 9 سنوات..تُرى هل صار ما يجب أن يكون؟
الجواب سيكون أدبياً الآن وغداً؛ ثمة دور للأدب والفن، حتى لا نضطر لركوب أمواج البحر الشمالية!
وأخيراً، ستظل هذه الرواية مكتسبة حضوراً خاصاً، كونها من أهم الروايات العربية التي تناولت الموت عبور البحر طلباً للخلاص!
Ytahseen2001@yahoo.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: