آراء

قراءة في اتفاق إدلب

هاني عوكل

2018-09-21

لم يكن لاتفاق إدلب الذي أعلن عنه الرئيسان الروسي والتركي الاثنين الماضي أن يرى النور لولا توالد العديد من الظروف التي مهدّت "طبخه" برغبة تركية تتجنب فيها إنهاء نفوذ المعارضة المعتدلة في الشمال السوري.
اتفاق إدلب جاء بعد تفاهمات بين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان في منتجع سوتشي الروسي، إذ أنه اتفاق الضرورة بالنسبة لأنقرة التي وجدت فيه استمرار الحياة لمسألة وجودها في شمال سورية، وكذلك الحال مصير حلفائها من المعارضة المعتدلة.
كما أن الاتفاق بالنسبة لروسيا وحليفها النظام السوري جيد أيضاً، كونه يتجنب السخط الأميركي والاستعدادات الغربية لشن ضربة عسكرية إلى منشآت تابعة للنظام السوري، على خلفية ما يسمى مسرحية الكيماوي المتداولة بين مختلف الأطراف الدولية والمحلية.
ثمة أسباب دفعت أردوغان للبحث في اتفاق يُجنّب إدلب ضربة عسكرية محققة بالفعل، إذ عدا عن حماية حلفائه في المعارضة السورية المعتدلة من خطر التصفية، فهو يرى أن وجود حليف دائم من لحم ودم في سورية وحاضر في المشهد السياسي السوري، بمثابة القاعدة الحزبية والجماهيرية أو اليد الطولى والأداة التي تضمن نفوذاً لأنقرة في الداخل السوري.
من هنا اعتبر الرئيس أردوغان أن نهاية المعارضة المعتدلة ستعني انتهاء الدور التركي في سورية، علماً أن هناك قوات تركية في الشمال السوري من عفرين إلى إدلب، ووجودها يؤمن الحماية لتركيا من مسألة التمدد الكردي خصوصاً على حدودها الجنوبية.
أضف إلى ذلك أنه في حال وُجهت ضربة عسكرية روسية- سورية إلى المعارضة في إدلب، فإن الدولة الوحيدة التي ستتأثر من موجة التدفق السكاني إلى أراضيها هي تركيا، ومعلوم أن الأخيرة تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة ولا يمكنها تحمل تدفق اللاجئين السوريين إلى داخل أراضيها، خصوصاً وأن إدلب تشكل خزاناً بشرياً يصل تعداده إلى 3 ملايين سوري.
هذا الاتفاق يشبه إلى حد كبير اتفاقات خفض التصعيد التي جرت من قبل، غير أنه مستتبع ببنود أخرى، إذ يدور الحديث عن إقامة منطقة منزوعة السلاح بعرض يصل من 15 إلى 20 كيلومترا على طول خط التماس للفصل بين القوات الحكومية السورية والمعارضة.
أيضاً تمثل مسألة نزع السلاح الثقيل لدى المعارضتين المتطرفة والمعتدلة واحدة من أهم بنود الاتفاق البوتيني- الأردوغاني، مع إضافة بند يدعو إلى مغادرة المعارضة المتطرفة مثل "داعش" و"هيئة تحرير الشام" عن محافظة إدلب.
حسنات الاتفاق بالنسبة للطرفين الروسي والتركي أنه خاضع لأجندة زمنية معينة للتطبيق، ذلك أن المنطقة منزوعة السلاح يفترض أن تترجم على أرض الواقع منتصف الشهر المقبل، يسبقها بخمسة أيام وضع حد لوجود المعارضة المتطرفة في إدلب.
مع ذلك ثمة عقبات كثيرة تلوح في الأفق وقد تطيح بهذا الاتفاق، من بينها مثلاً موضوع فصل المعارضة المتطرفة عن المعتدلة في إدلب، وإلى أين ستذهب الأولى ولا ملجأ لها سوى الأخيرة آخر معاقلها، زائداً أن تركيا تنظر إليها على أنها شر مستطير غير مرحب بها داخل الأراضي التركية.
التحدي الآخر يتصل بمحدودية الوقت لترجمة بنود الاتفاق وفق الخطة الزمنية، خصوصاً وأن موضوع سحب السلاح الثقيل من دبابات ومدافع يحتاج أولاً إلى إقناع مختلف التنظيمات الموجودة في إدلب، ويحتاج أيضاً إلى ممر آمن وجهة تستقبل هذه الأسلحة، والاتفاق حقيقةً لم يأت بالتفصيل على هذا الموضوع.
ثم إن "هيئة تحرير الشام" التي كانت تعرف في السابق بـ"جبهة النصرة" رفضت الاتفاق ورفضت تسليم سلاحها، ويمكن القول إن الاتفاق مرهون بموافقة مثل هذه التنظيمات عليه، وبالتالي قد يعني الاستمرار في الرفض توجيه ضربة قوية للمعارضة المتطرفة في إدلب.
النظام السوري الذي رحب بهذا الاتفاق والذي لا يمتلك أن يقول عكس ذلك، يرى فيه وضعاً مؤقتاً على طريق استعادة إدلب، حال الاتفاق في ذلك حال مناطق خفض التصعيد التي اتفق بشأنها ثم خضعت لعمليات عسكرية من قبل القوات الحكومية السورية.
على أن ما يمكن فهمه من اتفاق إدلب أنه يُمهّد للتركيز الفعلي على موضوع فصل المعارضتين المتشددة والمعتدلة، وإخراج الأخيرة من عنق الزجاجة بوضعها في مسار التسوية السياسية التي تمكنها من الحصول على بطاقة إقامة في النظام السياسي السوري. 
الموقف التركي أكثر ما يشغل باله هو الوجود الكردي، ولذلك قد يبيع اتفاق إدلب إلى روسيا مقابل غض الطرف قليلاً عن مسألة وجوده في الشمال السوري، والحصول على ضمانات تهدف إلى عدم دعم الأكراد في فكرة الحكم الذاتي وضرب مشروعهم الوجودي في منطقة الشمال، مع إمكانية استيعابهم في ترتيبات المرحلة الانتقالية وما بعدها في سورية.
ما يمكن قوله في هذا الإطار، إن إدلب لن تعيش كل الوقت تحت يافطة منطقة خفض التصعيد ومنزوعة السلاح، لاعتبارين اثنين أولهما أن النظام السوري يمتلك كل عناصر القوة التي تجعله يسيطر على هذه المنطقة، غير أنه اهتدى بالاتفاق الروسي لتجنب الفخ الدولي الذي يُجهّز له ضربة عسكرية محتملة.
الاعتبار الثاني يتصل بفلسفة النظام السوري التي تذهب إلى إصراره على استعادة السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة بما فيها محافظة إدلب، لأن ذلك سيضعه في خانة الطرف الأقدر على المناورة والحصول بالحسم العسكري على الثمن السياسي.
إن عاجلاً أم آجلاً ستسوى مسألة إدلب باحتمالين، الأول أن يُحسم أمرها لصالح النظام السوري توافقياً عبر إزاحة المعارضة المتطرفة تماماً عن هذه المنطقة وتطويع المعارضة المعتدلة وقبولها تسليم مفاتيح المحافظة، كما هو حاصل مع اتفاق إدلب والإضافة عليه بقبول مبدأ سلّم تسلم.
الاحتمال الثاني أن تطلق عملية عسكرية من قبل القوات الحكومية السورية على هذه المنطقة، وهذا بحد ذاته مرهون بموقف المعارضة من اتفاق إدلب في حال رفضته ولم تستجب للضغوطات التركية.
Hokal79@hotmail.com
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: