دفاتر الأيام

من أجل من رحلوا

سما حسن

2018-09-20

أُطلق عليه اسم "رجل الجبل"، لأنه شق طريقاً بمعوله فقط في الجبل الذي يقف بين قريته الصغيرة شرق الهند وبين أقرب مدينة، والسبب وراء ذلك وفاة زوجته الحبيبة بين يديه قبل أن تصل سيارة الاسعاف، حيث تبلغ المسافة بين المدينة والقرية سبعين كيلومتراً، ولذلك  تأخرت سيارة الاسعاف في الوصول وتوفيت زوجته بين يديه، وقد قرر الزوج المحب أن يشق طريقاً في الجبل يختصر المسافة بين القرية والمدينة لكي لا يتألم أحد مثلما تألم.
حقا أن زوجته قد انتهى عمرها، ولكنه كان يرى أن بُعد المسافة للوصول إلى اقرب مستشفى كان سبباً في موتها، وتخيل أنها لو وصلت إلى المستشفى في الوقت المناسب لظلت حية ولعاش معها أسعد أيام حياته، إذن نحن أمام حلم انسان يحب، وأمام رجل مخلص لم ير في الحياة سعادة مثلما رآها مع زوجته، فقرر ألا يشعر أي انسان بشعور الفقد مثلما شعر، وألا يتألم أي شخص بسبب تأخر الاسعاف عن الوصول لانقاذ حبيبه سواء أكان زوجة أو ابناً أو أباً، وهكذا وأمام سخرية سكان القرية بدأ في شق الطريق بواسطة معوله فقط.
عندما كنت أقرأ قصة "رجل الجبل" شعرت بشعوره وألمه وهم لا يقدرون ما يقوم به حتى انتهى منه، حيث استمر في الحفر مدة عشرين سنة ليحفر طريقاً طوله 110 أمتار وعرضه 9 أمتار، يكفي لمرور السيارات ويقصر الطريق إلى 7 كيلومترات بدلاً من سبعين، وقد قامت الحكومة بتكريم الرجل بجنازة رمزية بعد وفاته، وقد ترك هذا الطريق ليذكر الناس بأن الألم هو الذي يدفع الانسان لكي يساعد من يشعرون بألمه، ولذلك فلا عجب أننا حين نذهب إلى المستشفى لزيارة مريض فنحن نتعاطف مع المريض الغريب في الغرفة المجاورة أو السرير المجاور، ونتمنى أن نخدمه ونساعده بأي طريقة لأننا نلمس معاناة من نحب ومن يرقد في سرير المرض ويحتاج لمساعدة وهو يتلوى ألماً، فنشعر بشعور الآخرين، ولكن هذا الشعور غالباً ما يغادرنا حين نغادر المستشفى لنستأنف حياتنا.
أمضى ابي خمسة ايام في المستشفى لم أتركه لحظة، وكنت أمضي ليلي ونهاري وأنا أجلس على المقاعد الخشبية المقابلة لقسم العناية المركزة، وبدأت أعاني من آلام في اسفل ظهري بسبب الجلوس الطويل والمتواصل على المقاعد المتهالكة والقديمة، وصرت أفكر بأنني سوف أتبرع في أقرب وقت بمقعد أو اثنين وأضعهما في الممر الطويل حيث يجلس الناس في انتظار سماع خبر عن مريضهم القابع بين الحياة والموت.
 خمسة أيام قاسية مرت بي وأنا انتظر أن يفيق أبي من غيبوبته، آلام أسفل ظهري تداهمني حين أجلس لساعات على تلك الكراسي، وفي كل لحظة ازداد تصميما لكي استبدل واحدا منها أو اثنين بكراسٍ طويلة مريحة، حتى توفي أبي ولم أعد اجلس في المستشفى في ذلك المكان، ونسيت الأمر برمته إلا من مرات قليلة كنت أمر فيها من أمام المستشفى، فأتذكر تلك الأيام القاسية وأتذكر وأنا أتحسس ظهري.
في سنوات بعيدة ايضا وقع جدي لأبي من درج منزلنا، ولم يترك سقوطه كسراً كما يحدث مع المسنين، ولكني شعرت بالألم النفسي الذي تسبب به وقوعه وكنت لا زلت شابة في مقتبل العشرينات من العمر، والحياة بالنسبة لي شجرة خضراء يانعة ولا مجال للتفكير بيوم سأصبح فيه في سن جدي، ولكن من شدة حبي لجدي تمنيت لو كان درج بيتنا بإطار قوي لكي يستند إليه جدي، فقد كان للأسف بلا إطار وعليك أن تتكئ على الجدار أثناء صعودك وهبوطك.
توفي جدي ولم أنس نظرة الألم في عينيه، وزرت بعد مدة قليلة عيادة طبيب في طابق علوي مع أبي وأمي، وهنا رأيت تصميماً أعجبني، فقد تم صنع إطار وهمي في الحائط بحيث يستند إليه كبار السن وهم يصعدون وينزلون الدرج، فأشرت إليه قائلة لأبي: ليتنا صنعنا مثل هذا الاطار في بيتنا من أجل جدي، تنهد أبي وقال ليغلق الباب أمام فكرة لا تأتي إلا حين نتذكر ألم محبتنا: لقد رحل جدك، وبعنا البيت.........

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: