آراء

كيف نردّ على ترامب؟

هاني عوكل

2018-09-14


بقلم: هاني عوكل
ثمة حالة شديدة من الإحباط بين الفلسطينيين إزاء السلوك الأميركي العدائي الذي يتصاعد بحقهم يوماً بعد يوم، في الوقت الذي تمر فيه القضية الفلسطينية بأسوأ مراحلها وسط تبدلات في المناخين الدولي والعربي، بين ضعف في موقف الأخير وتحوّل في أولوياته، وانتباه الأول لملفات يجدها أكثر أهمية.
لابد أن يتوقع الفلسطينيون السلوك الأميركي ضدهم، فمن كان يعتقد أساساً أن تساعد واشنطن السلطة الفلسطينية على إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وهي (واشنطن) التي سكتت كل الوقت عن الاستيطان الإسرائيلي الذي بدا اليوم أنه أشبه بدويلات في قلب الضفة الغربية.
لقد كان واضحاً على الإدارات الأميركية المتعاقبة أنها تسير عكس رغبة الفلسطينيين، فهي التي وضعت الداء في الدواء منذ رعايتها اتفاق أوسلو ومنذ أن تحدث الرئيس الأسبق جورج بوش الابن بشكل جدي عن حل الدولتين قبل أكثر من 17 عاماً، غير أنه مكّن إسرائيل شارون آنذاك من إضعاف السلطة الفلسطينية والتوسع الاستيطاني في الضفة.
وكذلك الحال بالنسبة لإدارة باراك أوباما التي انتقدت الاستيطان الإسرائيلي، لكنها رحلت ولم تفعل شيئاً للسلطة الفلسطينية، سوى حديث عن سلام متعثر لم يكتب له النجاة، وبقي الاستيطان حاضراً حتى وصل اليوم إلى حوالى 250 مستوطنة يسكنها أكثر من 600 ألف مستوطن حسب إحصائيات الأمم المتحدة، العام الماضي.
دونالد ترامب سار على عهد من سبقوه، باستثناء أنه زاود عليهم تمهيداً لما يسمى «صفقة القرن»، التي يطمع بأن تجد النور في عهده، وكل ذلك جاء على حساب الفلسطينيين الطرف الأضعف الذي عانى الأمرين من وسيط غير نزيه، ودولة احتلال تنفرد في أذيته دون رقيب ولا حسيب.
الآن وبعد 25 عاماً على اتفاق أوسلو، الذي يفترض أن يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية عام 1999، لم يعد هناك شيء من أوسلو الذي نسف من الجذور بفعل السياسات الإسرائيلية العنصرية التي كانت تعمل كل الوقت على إفساد هذا الاتفاق منذ ولادته.
ثم إن ترامب، الذي نقل مقر سفارته من تل أبيب إلى القدس المحتلة في أيار الماضي، ومضى في التضييق المالي على الفلسطينيين ووكالة «الأونروا»، وتبع ذلك بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، من غير المستبعد أن يمارس ضغوطاً أخرى على السلطة الفلسطينية.
آخر الأخبار المتناقلة أن إدارة ترامب تبحث في توطين اللاجئين الفلسطينيين في بعض الدول العربية، والحديث هنا عن سورية والأردن ولبنان التي يعيش فيها العدد الأكبر منهم، ومثل هذا الخبر ينبغي أخذه على محمل الجد في سياق الفعل الترامبي الذي يُهدّد بشكل تدريجي كل مفاصل القضية الفلسطينية.
في ظل هذا الوضع المأزوم، لا بد أن تكون هناك إستراتيجية وطنية لتجنب الوقوع في فخ تصفية القضية الفلسطينية، وبالتالي من الضروري البحث في الأولويات التي يتصدرها عنوان الانقسام الفلسطيني الداخلي، بكل ما له وما عليه، وضرورات المرحلة تستوجب الاستعجال في وضع حد لهذا الانقسام اللعين.
الفلسطينيون الذين أصبحوا ربما وحدهم في هذه المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية، وإسرائيل تحديداً، عليهم أن يعترفوا أولاً بفشلهم إزاء توحيد الصف الداخلي وتمكينه من الصمود أمام كل المخططات التصفوية، وعليهم التحرك الفوري لتقييم ومراجعة مرحلة بائسة في تاريخ القضية الفلسطينية.
الحديث هنا عن 25 عاماً من اتفاق أوسلو الهزلي الذي وضع السلطة الفلسطينية على محك التصفية، و11 عاماً من انقسام داخلي أدى إلى تراجع في أولوياتنا الوطنية وضرب بعرض الحائط ثوابت شكّلت بوصلةً للفلسطينيين يهتدون بها ضد الاحتلال الإسرائيلي.
بسبب الانقسام لم يعد الفلسطيني اليوم كما كان حاله قبل حزيران 2007، والحديث هنا عن أكثر من مليون مواطن ينظرون إلى قضايا ثانوية وهامشية على أنها أولى الأولويات كما هي الحال في موضوع الكهرباء والمياه والبطالة وأزمة الرواتب والحق على «فتح» أم «حماس»!
متى نصل إلى مرحلة كفى؟ متى يمكن وضع الخلافات الفصائلية جانباً والتفكير في الأوضاع المستقبلية التي سنؤول إليها في حال ظل الانقسام حاضراً في الأجندة الفلسطينية؟ الولايات المتحدة الأميركية ما تنفك توبخ الفلسطينيين لأنهم لم ينحنوا لإسرائيل، والأخيرة تفعل مفاعيلها وباقي العالم في سبات عميق.
الخوف كل الخوف أن تمر علينا الأيام والسنون ونصل إلى مرحلة تصفى فيها القضية الفلسطينية والانقسام الداخلي شاهد عليها، لكن من الضروري الانتباه إلى أن كل الفصائل دون استثناء تتحمل هذا الوزر، لأنها بسبب ضعفها وذريعة الانقسام مَن سمح بالتطاول على القضية الفلسطينية.
يكفي هذا الجدل البيزنطي بين فصائل الانقسام، فهذه لغة مستهلكة ولم تعد تستجدي أحداً، ولا بد من وضع حد لهذه المرحلة التي يمقتها كل الفلسطينيين في الداخل والخارج، فما يحدث الآن من استهداف مباشر للقضية وثوابتها يستدعي من أصحاب الفصائل الجلوس على طاولة واحدة للبحث في مصيرهم ومصيرنا.
حتماً سيمضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تركيع الفلسطينيين لأنهم قالوا له لا، وحتماً شخص مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستفيد من هذا الدعم الترامبي، وكأنه اليوم يجلس على «اللوج» ولا أحد يعاتبه في عدوانيته ضد الفلسطينيين وقيادتهم.
آن الأوان لتوجيه البوصلة نحو الوضع الداخلي والتركيز على مسألة إنهاء الانقسام مهما ارتفعت التكاليف، مع أولويات إطلاق إستراتيجية نضالية تفضح الاحتلال في الداخل والخارج، وتعيد حيوية القضية الفلسطينية ومركزيتها إلى الواجهة لدى الكثير من دول العالم، إذ علينا أن نراعي جيداً بين نضال وطني مدفوع بوحدة المصير والدم، وآخر لا يحتكم إلى قوة الفصائل وزخم الشارع.  
Hokal79@hotmail.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: