آراء

يوم غسان

صادق الشافعي

2018-07-14

أكتب مساء يوم الأحد 7/8 يوم الذكرى السادسة والأربعين لاستشهاد غسان كنفاني.
اليوم ومنذ بدايته المبكرة هو يوم غسان. لم أكن بحاجة لأتذكر التاريخ ولأستحضر الذكرى، فقد بدأتُ نهاري على منبه التاريخ والذكرى.
 عشت اليوم كله وما زلت، مع غسان في شريط مزدحم بتفاصيل سنتين تقريباً اقتربت فيهما كثيراً من غسان. فقد كنت أداوم معه في نفس المكتب لعمل مختلف لا علاقة له بالصحافة وانما يتعلق بالعمل العام، ومع الطلبة بشكل أساسي. كان مكتب مجلة «الهدف» عرين غسان الاخير الذي خاطب منه الاهل والمناضلين والاصدقاء، وخاض على صفحاتها معاركه المجيدة دفاعاً عن الوطن واهله وحقوقهم وعن مناضليه وثورتهم المجيدة.
كانت السنتان آخر سنوات عمر غسان، فقد انتهتا باستشهاده. وكانتا من اغنى سنوات عمري، وأعترف انني تعلمت منه الكثير.
لم اتعلم منه الصحافة، فأنا لم اكن صحافياً ولم اكتب مقالاً واحداً في مجلة الهدف. تعلمت منه كانسان يمتلك من القيم الانسانية اوسعها وارقاها منذ خُلق الانسان ووُجدت القيم. وتعلمت منه كمناضل يعيش قضيةَ شعبه وحقوقه ونضالاته، يتشربها بتلقائية وعمق في جميع ما يقوم به وفي اي مجال بلا عنتريات ولا خُطب او جُمل كبيرة.
وتعلمت منه كرئيس عمل ومسؤول مكتب، يشيع في جو العمل درجة استثنائية من الألفة والانسجام والاهتمام والاحترام، والمرح أيضاً، ومع كل ذلك الإنتاجية. وكيف كان يعلّم بتواضع وبلا أستذة.
يعينه على ذلك امتلاكه شخصية محببة ومحبة ومرحة، مع ظرف وخفة ظل وسرعة بديهة وطلاقة لسان، وبالطبع على موسوعية المعارف والخبرات وتنوعها.
بدأت نهاري بقراءة مقال الأستاذ عادل الأسطة في « الأيام» عن غسان. وفي الإجابة على تساؤل إنعام الخفش حول كيف سيكتب غسان لو كان حياً في هذا الزمن، وجدتُني منحازاً لللإجابة انه كان سيكتب بمنطق الزمن الحاضر وظروفه وخصائصع وبلغته ايضاً. فغسان كان دائماً ابن عصره وزمنه وظروفه ووقائعه ومفرداته.
ممكن ان يكتب عن الزمن الماضي ولكن بلغة ومنطق الاستفادة منه وتنزيله على الواقع القائم، ويمكن ايضا ان يكتب مستبقاً الواقع القائم ومستشرفاً المستقبل، لكن ايضا بمنطق التبشير والاستبشار بما في الواقع القائم ما يدعو الى الاستبشار.
الم يقم بذلك فعلاً في اكثر من عمل له؟
 لم يكن «يوم غسان» ليكتمل دون مكالمتين هاتفيتين:
المكالمة الاولى، كانت لصديق عمر عزيز. كان رفيقي في يوم استشهاد غسان حين اقتحمنا سيارة محمود الداورجي المخرج الفني لمجلة الهدف دون استئذان لتنطلق بنا الى بيت غسان في ضاحية مار تقلا بالحازمية.
حصل ذلك، بعد دقائق من انفجار صوت قاسم حميد في سماء الهدف محملاً بالفجيعة يعلن أثناء رده على مكالمة هاتفية واردة، انهم «ضربوا غسان».
واستمر هذا الصديق رفيقي في البقاء لأيام ( ثلاثة أو أربعة) نقضي طول اليوم في بيت غسان ولا نغادره الا للنوم، نقوم باي شيء يحتاج القيام به.
في تلك الأيام تعرفت الى عائلة غسان، والده وأشقائه وشقيقتيه. استوقفتني وتركت في نفسي أثراً، ما زال يحضر كلما حضر ذكرها شخصية أخته الكبيرة «فائزة» التي استشهدت ابنتها الصبية «لميس» معه في الانفجار. كانت حزينة حزناً يفري البدن والروح، وهل ماهو اقسى من فقدان الاخ والابنة معاً، بذاك العمر وتلك الطريقة؟ لكنها كانت متماسكة وقوية. وحين تكلمت وكان كلامها قليلاً وقصيراً، كان من السهولة الاستنتاج ان غسان قد اخذ الكثير من هذه الأخت، حتى في تعبيرات وكلمات بعينها كانت تتكرر في كلامه ولغته.
هي أعطت الوصف الأكثر دقة والأعمق إنسانياً للعلاقة بين أخيها وابنتها حين قالت: من كثرة حبه لها أخذها معه... ومن كثرة حبها له رافقته»
المكالمة الثانية كانت لبيت غسان.
ردت علي أرملته ورفيقة عمره ومشواره «آني».
في خلفية المكالمة حضرت تفاصيل يوم الفاجعة، وحضرت صورة « آني». كانت تتنقل في البيت صامتة ومتماسكة تشغل نفسها بأي شيء وكل شيء، اما حين تقتنصها في لحظة «صفنة « فانك ترى ثقل الفاجعة وكل حزن الدنيا. ابنتهما ليلى لم تكن موجودة، وكنت أعرف مسبقاً ان الابن فايز خارج البلاد. كلاهما كانا يوم الفاجعة طفلاً، أخذتهما الأعداد الكبيرة من الناس تأتي للبيت، وتجاوباً مع كل ملاطفة او مداعبة من اي منهم.
عدت الى «الأيام» لأقرأ المقال، الجميل كالعادة، للعزيزة فيحاء عن غسان والذي يركز على رائعته « أم سعد». أعادتني بحميمية الى «ام حسين» اللاجئة الفلسطينية في مخيم برج البراجنة التي كان يربطها طرف قرابة او علاقة اجتماعية ايام الوطن مع غسان، وهي وما كانت تناديه الا « يا ابن العم»، وهو كان يقدرها ويحب الاستماع الى حكاياها.
كانت تأتي لبيت غسان في بعض الأيام لمساعدتهم في أعمال المنزل. وعنها وعن حكاياها عن المخيم والفدائيين كانت رائعته « أم سعد».
في يوم الفاجعة ووقتها، كانت ام حسين في بيت غسان. حين رأيتها، وكان ذلك لأول مرة. كانت بالضبط كما قدمها غسان في «أم سعد» قوية حزينة ومتماسكة. كانت تنظف ارض البيت من الشظايا والأوساخ التي أحدثها التفجير وكانت «تعدد» وبصوت مسموع التعديدات الفلسطينية لمثل الحال الحاصل.
اذا كان حضور غسان يأتي طاغياً في ذكرى استشهاده، فانه يبقى حضوراً دائماً، وفي الكثير جداً من تفاصيل الحياة اليومية ومفاصلها، ولكنه يكون حضوراً حميمياً هادئاً راسخاً مشعاً ومُلهماً.
           

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: