«صفقة القرن» الإيرانية: إسرائيل، الأسد، وترامب سيخرجون فرحين!

2018-07-14

بقلم: تسفي برئيل
توجد مكانة خاصة في إيران لعلي أكبر ولايتي. فهو رجل المهمات السرية لعلي خامنئي، في كل مرة يحتاج فيها الزعيم الأعلى لرجل مخلص جدا، كاتم اسرار، حكيم، محافظ، ويعرف جيدا ما يدور في خلده. ولايتي (73 سنة) شغل منصب وزير الخارجية لمدة اكثر من 16 سنة في ظل رؤساء محافظين وأقل محافظة، ويعرف جيدا معظم زعماء العالم. وقد عقد صفقات مع عدد منهم، مثل تدخله في قضية إيران غيت في الثمانينيات. وهو متهم بأنه خطط مع خامنئي وآخرين للعملية في المركز اليهودي في بوينس آيريس في العام 1994. في دراسته الاكاديمية هو طبيب اطفال. وهي مهنة مارس الاختصاص فيها في جامعة جونز هوبكنز في أميركا. وبفضله راكم اموالا من خلال اقامة مستشفيات خاصة في ايران. هو مقرب جدا من الشخصيات التي تدير الاقتصاد في ايران وحرس الثورة الايراني، ويظهر اسمه في قائمة مجالس إدارة شركات حكومية كبيرة في إيران.
هذا هو الرجل الذي أرسله خامنئي، هذا الاسبوع، إلى موسكو اثناء زيارة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الى موسكو. البيانات الرسمية التي نشرتها ايران أشارت الى أن ولايتي سافر الى روسيا للتباحث مع الرئيس بوتين حول «مشكلات المنطقة والتعاون بين روسيا وإيران». في ظروف أخرى أقل حساسية، فان مهمة كهذه كانت ستلقى على وزير الخارجية، محمد جواد ظريف. إلا أن ظريف، الذي أدار بكفاءة كبيرة المفاوضات حول الاتفاق النووي، لا يحدد الاستراتيجية، ولا يملي سياسات في ايران. اضافة الى ذلك هو رجل روحاني، ويعتبر من التيار الاصلاحي. الآن حيث تقف ايران في مفترق طرق لحسم المواضيع المبدئية التي تمس مستقبل سياسة ايران، دخل ولايتي الى العمل.
بحث ولايتي في موضوعين أساسيين مع القيادة في روسيا. الاول، المطلب الاسرائيلي لسحب قوات ايران من سورية أو على الاقل سحبها الى عمق سورية بعيدا عن الحدود مع إسرائيل. الثاني، العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي ترامب على ايران. هذان الموضوعان لا ينفصلان عن بعضهما. اذا كان المخطط لحل النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني يعرف بـ»صفقة القرن» من قبل ترامب فإن مكانة ايران هي «الصفقة الاقليمية» الأهم.
تؤثر العقوبات الأميركية بصورة دراماتيكية على الاقتصاد الإيراني. فقد بدأت شركات أوروبية في تقليص أو تجميد نشاطاتها في ايران، منها شركات نقل بحري مثل «مارسيك» الدانماركية التي انضمت اليها، هذا الاسبوع، الشركة الثالثة في حجمها في العالم في المجال البحري «سي.ام.اي – سي.جي.ام». وقد أعلنت الهند وكوريا الجنوبية واليابان بأنها ستقلص شراء النفط من إيران، ولم تنجح دول الاتحاد الاوروبي – التي يئست من انقاذ الاتفاق النووي – حتى الآن في بلورة سياسة موحدة ضد العقوبات الأميركية. عملياً، حتى لو نجحت في استخراج خطة تضمن اموال الشركات الكبرى فان حكومات أوروبا لا تستطيع أن تبدد خوف هذه الشركات من العقوبات الأميركية.
إن فقدان أسواق النفط في بداية تشرين الثاني القادم هي المشكلة الكبرى بالنسبة لايران، واذا قدرت بأن خروجها من السوق سيؤدي الى زيادة كبيرة في اسعار النفط، فهي تعرف أنه يقف ضدها تحالف لا يرحم، تعمل فيه سوية السعودية وروسيا. الاولى تعهدت بزيادة انتاج النفط من اجل التغطية على     الـ 2.5 مليون برميل يوميا التي تنتجها ايران يوميا. ايضا روسيا، التي وقعت على صفقات غاز مع السعودية، أعلنت بأنها ستزيد كميات النفط التي تستخرجها. ولايتي وجد نفسه في موقف محرج كمن يتوسل من أجل بلاده امام رئيس روسي يستعد لعقد قمة بعد ايام مع نظيره الأميركي الذي سيطلب منه رفع العقوبات عن روسيا، التي فرضت عليها في اعقاب الحرب في اوكرانيا واحتلال شبه جزيرة القرم.

لا توجد هدايا مجانية
في جولة اللقاءات هذه ليس هناك هدايا مجانية. ليس واضحا اذا كان ترامب سيوافق على العمل لرفع العقوبات عن روسيا كما تشجعه على ذلك السعودية واسرائيل واتحاد الامارات، حسب تقرير في مجلة «نيويوركر». اذا عمل ترامب في هذا الاتجاه، كما يشير عدد من تصريحاته الاخيرة، فانه سيطلب من روسيا العمل من اجل سحب القوات الإيرانية من سورية. أو على الاقل ابعادها الى مسافة 80 كم عن الحدود الاسرائيلية.
التقارير التي وصلت من موسكو بعد اللقاء بين بوتين ونتنياهو تظهر أن روسيا حقا تنوي العمل من أجل سحب القوات الإيرانية مقابل تعهد اسرائيل بعدم المس بالأسد ونظامه. إلا أن الموافقة الاسرائيلية على شرط روسيا ليست دراما كبيرة. رغم تصريحات وزراء اسرائيليين هددوا بالمس بالنظام السوري فانه توجد لاسرائيل مصلحة كبيرة في استمرار بقاء الأسد، وسيطرته الكاملة على سورية، والعودة الى اتفاقات الفصل من العام 1974 التي وقع عليها والده. تعارض اسرائيل حقا دخول قوات الاسد الى هضبة الجولان السورية من اجل السيطرة على بقايا المليشيات التي تعمل فيها. ولكنها توافق على أن تعمل قوات شرطية روسية في هضبة الجولان الى حين خلق الظروف التي تسمح بعودة مراقبي الامم المتحدة الى المنطقة.
تعهد كهذا، لا يكلف اسرائيل أي شيء، يمكنه ربما أن يعطي بوتين ذخرا سياسيا عند إقناع ايران بالانسحاب. مع ذلك فان اسرائيل تطالب بالمزيد. حسب مصادر دبلوماسية غربية، تريد إسرائيل من روسيا أن ترسم خطة سياسية لما بعد الحرب، حيث تمنع أن تتحول سورية الى معبر للسلاح بين ايران و»حزب الله». المقابل الاسرائيلي الحقيقي لروسيا من المتوقع أن يأتي من واشنطن التي على اسرائيل إقناعها من أجل تمهيد المصالحة الدولية مع روسيا وربما حتى البدء في الغاء جزء من العقوبات.
في التطرق الى هذا السيناريو يوجد لايران القليل من الاوراق. تستطيع طهران أن تعلن عن انسحابها من الاتفاق النووي، وأن تجدد تخصيب اليورانيوم، وهكذا تخاطر بشرخ علني مع روسيا، ومع حليفتها المهمة الصين، وحتى أن تقف مرة اخرى امام التهديد بهجوم عسكري. امكانية اخرى هي الموافقة على الانسحاب من الحدود الاسرائيلية وسحب جزء من قواتها من سورية، لكن خطوة كهذه ستبقيها تحت نظام العقوبات الأميركية وفي ازمة اقتصادية ستأخذ بالتعمق. السيناريو الثالث يتحدث عن امكانية أن توافق ايران على ابعاد قواتها عن الحدود مقابل اجراء مفاوضات على اتفاق آخر يتناول خطة الصواريخ البالستية التي ليس بالضرورة أن تحل محل الاتفاق النووي. ويوجد لهذه الخطة احتمال أن تحظى بدعم روسي واوروبي، ويمكن أن تلبي مطالب ترامب، وأن تعرضه كبطل سياسي لم يخضع لايران، بل أجبرها على أن تحني رأسها.

السياسة هي التي ستحسم
المشكلة في احتمالات كهذه هي أن ما يمكنه أن يلبي مطالب ترامب ونتنياهو ما زال بعيدا عن النوايا الايرانية. وكما أن السياسة في اسرائيل يتم املاؤها من خلال الضغط السياسي، وهكذا ايضا في ايران؛ فان ميزان القوى الداخلي يحدد النتائج على الارض. ساحة الصراع السياسي في ايران توصف في الغرب بصورة مبسطة وكأنها ساحة يتنافس فيها محافظون أمام اصلاحيين، حيث من جهة يقف خامنئي، قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري، وقائد قوة القدس قاسم سليماني، وفي الجهة الاخرى يوجد الرئيس روحاني ومعظم اعضاء حكومته.
في هذين المعسكرين تجري صراعات قوة لا تمس بالضرورة المصالح الوطنية. قبل نحو شهرين نشرت في ايران تقارير متناقضة تفيد بأن خامنئي ينوي اقالة سليماني وتعيين قائد آخر لقوة القدس. في المقابل نشرت تقارير تفيد بأن سليماني يحتمل أن يحل محل جعفري. كل واحد منهما أعلن أن علاقته مع زميله ممتازة، لكن تقارير في الشبكات الاجتماعية قالت إن الجعفري اشتكى لدى خامنئي بشأن الفساد الكبير الذي يسود في صفوف قوة القدس، وعن إهدار مليارات الدولارات، وعن صفقات عقارية مشكوك فيها. عارض القائدان الاتفاق النووي، ولم يظهرا في احتفال تتويج الرئيس روحاني. رئيس ايران نفسه، الذي شن هجوما قاسيا على الحرس الثوري – اساسا بسبب الضرر الاقتصادي الذي تسببه للدولة – حول مؤخرا جلده عندما اعلن أن ايران ستغلق مضيق هرمز امام حركة حاملات النفط اذا منعت ايران من تصدير النفط. وبسبب هذا التصريح حظي برسالة ودية من سليماني كتب فيها «أقبّل يدك من اجل هذا التصريح الحكيم والصحيح. نحن ندعم كل سياسة تساعد المؤسسة الايرانية»، أي الحكومة. لا تسود محبة كبيرة بين الاثنين، لكن روحاني يعرف جيدا ما عليه عمله من أجل أن يظل باقيا.
علاوة على ذلك، سيضطر روحاني الى تغيير عدد من الوزراء على ضوء الضغط الكبير الذي يستخدمه ضده المحافظون، الذين دعاه عدد منهم للاستقالة بسبب المشكلات الاقتصادية في الدولة. يبدو أن محمد بكر كليباف سيعين في وظيفة أحد نوابه، حيث كان رئيس بلدية طهران لاكثر من 12 سنة، وهو احد رجال الحرس الثوري السابقين ومقرب من قائد الحرس. تعيين كهذا من شأنه أن يقلل من قدرات روحاني على مواصلة الدفاع عن الاتفاق النووي، وتوسيع تأثير الحرس الثوري على الحكومة التي تعتبر داعمة للاصلاحات، وتعزيز الخط المتشدد الذي يعارض المفاوضات مع أميركا والغرب بشكل عام. الحسم سيكون حقا لخامنئي، الرجل الذي صادق على المفاوضات على الاتفاق النووي، وأمر بالتوقيع عليه وأيده، لكنه سيضطر الى الحسم بين مصالح الدولة ومصالح النظام.
هذا هو المفترق الذي تقف فيه مصالحة روسية أميركية تؤدي الى تنسيق سياسي بينهما يمكنها أن تحدد استمرار الخطوات الايرانية. في الوقت الذي يعلن فيه كبار الادارة الأميركية بأنهم يسعون الى اسقاط النظام في ايران، وحيث روسيا تدافع عن الاسد حليف ايران والذي نظامه يمكنه أن يؤمن استمرار نفوذها – حتى بدون وجودها العسكري على الارض – هناك احتمال أكبر لسيناريو فيه تثمر الخطوات الدبلوماسية نتائج مرغوبة لايران والغرب وإسرائيل.

عن «هآرتس»
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: