آراء

المشروع الأوروبي يمرّ بأزمة وجودية

عبير بشير

2018-07-10

أراد نابليون فرض التقارب الأوروبي بالقوة والحرب، فسقط، ثم جاء جان مونيه، الأب الروحي للوحدة الأوروبية الحديثة، الذي كان يشتغل في تقطير الخمور بمقاطعة كونياك الفرنسية الشهيرة بالكروم، وعمل لاحقاً كمفوض أول للتخطيط في الحكومة الفرنسية، فنجح.
لقد توصل مونيه إلى صيغة حققت قدراً كبيراً من النجاح في بناء صرح الوحدة الأوروبية كتكتل سكاني سياسي اقتصادي اجتماعي عسكري جغرافي جديد. كان مونيه يعتقد أن القارة الأوروبية المتصارعة والمفككة تاريخياً، يمكن أن تصبح أكثر ثراءً وأمناً وسلاماً، وهذا ليس بقرار مهم يصدر، ولا بمعاهدة طنانة توقّع، ولكن بجهد تراكمي، وتجميع ترتيبات بطيئة ثابتة وراسخة تحتوي على مبادئ عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتنقل وإجراءات عملية. وكتب جان مونيه إلى وزير الخارجية الفرنسي روبير شومان: لن نصنع أوروبا بطفرة، ولا وفق خطوة واحدة، إنما سوف نبنيها لبنة لبنة من خلال إنجازات متينة". لقد أدرك مونيه أن معظم الحروب الأوروبية السابقة، وثيقة الصلة بمناطق مناجم الفحم ومصانع الحديد والصلب. لذلك كانت أول لبنة عبقرية وضعها مونيه هي التجمع المشترك الأوروبي للفحم والصلب، وفيها تم وضع سلطة الفحم والصلب تحت إدارة أوروبية مشتركة، والتي كانت ركيزة التطور الاقتصادي في أوروبا، وعصب النظام الإقليمي الأوروبي بكل تنظيماته وفروعه ومؤسساته، والأساس في الحركة الوحدوية الأوروبية، التي تسارعت خطواتها وصولاً إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي في الثمانينيات من القرن الماضي.
غير أن مياه كثيرة جرت تحت جسر الوحدة الأوروبية، خصوصاً عقب نجاح الاستفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في سابقة هي الأولى من نوعها، وبعدما أصبحت قضية الهجرة المليونية غير الشرعية إلى أوروبا على وقع أزمات الشرق الأوسط، أشد إثارة للانقسام السياسي في أوروبا أكثر من أي وقت مضى. وما يحصل الآن في أوروبا، هو إعادة رسم الخارطة السياسية، فهناك أحزاب سياسية ظهرت جديداً بدأت تنافس أحزاباً عريقة، وبعد أن كان الحديث عن تيارات شعبوية وجماعات يمينية متطرفة، تظهر الآن في أوروبا طبقة سياسية يمينية تدخل البرلمانات الأوروبية، وتسيطر على الحكومات الأوروبية. واضطلعت الصدمة الناجمة عن تدفق المهاجرين واللاجئين بدور حاسم في انقلاب الموقف الشعبي الأوروبي من الديمقراطية. وأظهرت دراسة أعدتها جمعية ديموس اللندنية، أن السمة البارزة لأنصار الحركات الشعبوية اليمينية، هي الخوف من سياسات الهجرة الليبرالية. فشطر لا يستهان به من الأوروبيين يتهم النخب الليبرالية بالتغاضي عن أمواج الهجرة، لأنهم يغرقون في عسل المبادئ الأوروبية.
وبدأ يحل محل الديمقراطية، نظام سياسي يعلي مخاوف وهواجس الأغلبية الأوروبية، حيث تخشى الغالبيات الأوروبية القلقة، اجتياح الأجانب بلدانها وتهديدها طرائق ونمط حياتها.. وتتغذى الشعبويات المولودة من دوامة الأزمة الراهنة من توقعات سكانية مفرطة في المبالغة بأن المسلمين المهاجرين، سيحكمون أووربا في غضون العشرين سنة القادمة، ومن تكهنات في شأن الأفول الأوروبي الوشيك.
ويدور الحديث الآن عن أوروبا جديدة غير التي نعرفها، عنوانها تشديد القبضة على الحدود وبناء مراكز "معتقلات" للمهاجرين، وإلغاء اتفاقية دبلن، وفرض رقابة صارمة على فضاء الشنغن. ولا شك في أن أزمة الهجرة واللجوء العالمية تمتحن الأفكار والمبادئ الليبرالية التي يتماسك بها الأفق الأوروبي الأيديولوجي في الصميم.
وخير تجسيد على ذلك، كلام وزير خارجية لوكسمبورغ، جان أسلبورن، أن المشروع الأوروبي يمر بأزمة وجودية، وإذا انهارت القيم الإنسانية، التي قام عليها الاتحاد الأوروبي، سينهار أيضاً مشروع أوروبا، وأنه يبدو الآن مثل قطارين يندفعان نحو بعضهما، محذراً في الوقت نفسه من مواجهة ستصل إلى لحظة حاسمة، بين طرفي التكتل (أوروبا الشرقية، وأوروبا الغربية) على خلفية ملف الهجرة. والأهم في حديث أسلبورن، هو أن هناك دولاً في الاتحاد الأوروبي لم تعد ترى في قيم التضامن والحرية، أمراً سليماً وتريد أوروبا أخرى، مشيراً إلى أن بولندا تريد -أوروبا الأمم- وفيها تقرر الحكومات مدى حرية الصحافة وحرية التنقل ومستوى الحريات، لكن حينها لن تصبح هذه أوروبا التي سعوا إليها عقب الحرب العالمية الثانية. فيما اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أزمة الهجرة بأنها مصيرية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وأن استمراريته معرضة للخطر.
والمقلق فعلاً، هو المنحنى الذي اتخذته قمة الاتحاد الأوروبي التي اختتمت أعمالها في بروكسل قبل أيام، فبعد إحدى عشرة ساعة من المفاوضات الماراثونية المكثفة التي خيّم عليها شبح الفيتو الإيطالي واحتمال سقوط الحكومة الائتلافية في ألمانيا، توصّلت القمة الأوروبية إلى اتفاق وسط حول ملف الهجرة، يضمن تحكماً أفضل بالحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وتتضمن الإجراءات التي تفاهمت عليها كل الدول الأعضاء، إقامة مراكز إيواء داخل الاتحاد الأوروبي يُنقل إليها المهاجرون الذين يُنقذون في عرض البحر، للتفريق بين أولئك الذين يحقّ لهم طلب اللجوء السياسي ومن يُعرفون بالمهاجرين الاقتصاديين الذين يُعادون إلى بلدانهم، فيما يُوزّع طالبو اللجوء على الدول الأوروبية التي تتطوّع لاستقبالهم. ولكن لكل بلد أوروبي أن يقرر طوعاً استضافة أحد هذه المراكز، ما يلغي نظام الحصص الإلزامية لتوزيع المهاجرين التي نصّ عليها اتفاق دبلن، ويرضي الدول التي ترفض استقبال أي لاجئ أومهاجر غير شرعي، كما جرى التوصل إلى شبه اتفاق، بأنه لا يجوز أن ينتقي اللاجئون ببساطة الدول التي يريدون إتمام إجراءات لجوئهم فيها.
غير أن الفكرة الجديدة التي توافقت حولها آراء القادة الأوروبيين في هذه القمة، هي مراكز الاستقبال التي يعتزم الاتحاد الأوروبي تمويلها خارج حدوده، لكي يُنقل إليها المهاجرون الذين يُنقذون خلال عبورهم نحو الأراضي الأوروبية. وقد وافق الرؤساء الأوروبيون على تكليف مفوضية اللاجئين بتفعيل هذه الفكرة التي ما زالت موضع تساؤلات كثيرة، ولا شيء مؤكد فيها سوى أن تلك المراكز ستكون مخصصة فقط لاستقبال المهاجرين الذين يتم إنقاذهم خارج المياه الإقليمية الأوروبية، فيما يُنقل أولئك الذين ينقذون داخل المياه الأوروبية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي.
واقترح مستشار النمسا سيبستيان كورتز إقامة مراكز لتجميع المهاجرين في ليبيا ودول البلقان، للحؤول دون وصولهم إلى بلدان الاتحاد. وعقّب وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني بالقول: إذا اعتقد البعض أن إيطاليا ستظل بلد إقامة المخيمات، فهو مخطئ، في إشارة إلى اتساع نفوذ التيارات الشعبوية في أوروبا، حيث وصلت إلى سدة الحكم في إيطاليا والنمسا وبولندا والمجر وجمهورية تشيكيا وسلوفاكيا.
ويقتضي فهم الأزمة التي يعانيها الاتحاد الأوروبي اليوم الإقرار بأن تطلعات أوروبا هي من ثمار فكرة نهاية التاريخ، فتحت عنوان "نهاية التاريخ" كتب فرانسيس فوكوياما يقول: إن تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية قد ولى إلى غير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة، وسقوط سور برلين.
فقد تخيل فرانسيس فوكوياما سوقاً معولمة تتنافس فيها الأفكار والرساميل والسلع منافسة حرة، على أن يبقى البشر في بلدانهم، ويقوموا بإرساء الديمقراطية فيها على أسس قوية. فيما غاب مصطلح الهجرة، والمشاهد التي ترافقها صفوف المهاجرين وهم يجتازون حدود البلدان الوطنية عن الرواية التي سردها فوكوياما. وغفلت هذه الأفكار عن معنى الحدود.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: