آراء

هل ينجح مؤتمر نيويورك في سداد العجز المالي لـ«الأونروا»؟

علي هويدي

2018-06-22

تتجه الأنظار إلى "مؤتمر التعهدات المستمرة"، الذي سينعقد بمبنى الأمم المتحدة في نيويورك في الخامس والعشرين من حزيران الجاري، إذ إن المؤتمر مخصص للدول المانحة لـ "الأونروا" ويهدف إلى جمع مبالغ مالية قيمتها 256 مليون دولار، تمثل ما تبقى من العجز المالي للوكالة الذي أعلن عنه المفوض العام للوكالة بيير كرينبول وقيمته 446 مليون دولار.
حتماً سيفشل المؤتمر في تحقيق الهدف إن لم تتوفر الإرادة السياسية للدول المشاركة، فمبلغ 256 مليون دولار يعتبر مبلغاً زهيداً مقارنة بما يصرف من مبالغ خيالية على الحروب في العالم والمنطقة، والتي تشارك فيها أعضاء من الدول المانحة نفسها ومن اللجنة الاستشارية لـ "الأونروا".
ولو توفرت تلك الإرادة، كان من الممكن تعويض العجز المالي - كاملاً - منذ أن أعلنت الإدارة الأميركية عدوانها الثاني على الشعب الفلسطيني باستهداف قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة بعد استهدافها لقضية القدس، باجتزاء مساهمتها المالية في صندوق "الأونروا" من 125 مليون دولار إلى 60 مليون دولار كدفعة أولى للصندوق قيمتها خلال العام 2018 حوالى 350 مليون دولار، وحينئذ لم يكن هناك حاجة أصلاً لمؤتمر روما الذي عقد في 15/3/2018 لسداد العجز.
في مقابل إخفاق الدبلوماسية الفلسطينية ودبلوماسية الدول العربية الإسلامية والدول الصديقة للشعب الفلسطيني في حشد المزيد من التأييد لاستمرار عمل "الأونروا" وتقديم خدماتها لحوالى 6 ملايين لاجئ فلسطيني مسجل وسداد العجز المالي، نجحت دبلوماسية الإدارة الأميركية والكيان الإسرائيلي المحتل في التأثير على دول مانحة للوكالة، سواء في مؤتمر روما حين حضره نائب وزير الخارجة الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد سترفيلد ولم يتم جمع سوى 100 مليون دولار، أو ما بعد المؤتمر حين نجحت في التأثير على موقف زير الخارجية السويسري "الشخصي"، كما قيل لاحقاً، حين اعتبر الوزير في 17/5/2018 أن الوكالة باتت "عقبة أمام السلام" وأن وجودها "يغذي الصراع في المنطقة"، وتقول الوكالة: إن هذا رأي الوزير الشخصي وجرى مراجعته من قبل الرئيس السويسري. التأثير الإستراتيجي الآخر كان على "منسق عملية السلام في الشرق الأوسط" ميلادينوف حين تجرأ وتحدث بالنيابة عن "الأونروا" في 20/6/2018 - ومن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة - عن توقعاته في حال لم يتم توفير المبالغ المطلوبة، من تأخير لرواتب بعض الموظفين في غزة عن شهر تموز القادم أو عن إجراءات أخرى ستتخذها الوكالة خلال الأسابيع القادمة، والأصل أن يتم التعبير عن هذا الموقف من قبل "الأونروا" نفسها، والمخاوف لا شك كبيرة من أن يتم الضغط على دول مانحة أو شخصيات أممية دبلوماسية أخرى .
لكن هذا المنُاخ - موقف وزير خارجية سويسرا والسيد ميلادنيوف – ما هو إلا رسالة سياسية للإدارة الأميركية والكيان الإسرائيلي، بأن ما تسمى بـ "صفقة القرن" قد بدأت تلقى دعماً دولياً، على اعتبار أن أحد مرتكزاتها تصفية القضية الفلسطينية وملفاتها الرئيسة (القدس واللاجئين) وإزالة هذين الملفين عن طاولة المفاوضات المرتقبة بين الكيان الإسرائيلي المحتل والسلطة الوطنية الفلسطينية، وما استهداف "الأونروا" غير المسبوق أميركياً وإسرائيلياً، إلا مقدمة لإنهاء قضية اللاجئين وحق العودة.  
على الرغم مما تواجهه الوكالة من أزمة مالية غير مسبوقة، وحتى لو لم يتم سداد كل أو جزء من العجز المالي الإثنين القادم، فهذا لا يعني انتهاء عمل الوكالة، فالذي يمتلك صلاحية إنهاء أو بقاء أو تعديل في سياسات عمل "الأونروا" هي الجمعية العامة للأمم المتحدة فقط التي أنشأت الوكالة وفق القرار الأممي رقم 302 لسنة 1949، وقد جددت الجمعية العامة لعمل الوكالة مؤخراً لمدة 3 سنوات جديدة تبدأ من كانون الأول 2016 وبدعم وتأييد 167 دولة أعضاء في الأمم المتحدة.
لا بد من الإشارة إلى أن تقليص خدمات الوكالة ومحاولات إضعافها وإغلاقها، نعم يهدد الحق في العودة، لكن لا يلغيه أبداً ولا تحت أي ظرف آخر، فالحق السياسي بالعودة محمي ومحفوظ، والفاجعة في التداعيات الإنسانية على اللاجئين، والأمنية في عدم الاستقرار في المنطقة وسواها؛ فحق عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى أماكن سكناهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 يكتسب قوة قانونية استثنائية، فهو مكرس في القانون الدولي كحق فردي في الأساس كما تشير الفقرة الثانية من المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتاريخ 10/12/1948، وكما يشير القرار 194 لتاريخ 11/12/1948 أي قبل تأسيس وكالة "الأونروا"، وكذلك مدرج بالمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لتاريخ 23/3/1976، والمادة 5 من اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز العنصري (د 2) لتاريخ 4/1/1969.

* كاتب وباحث في الشأن الفلسطيني.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: