آراء

هوامش على عودة مهاتير محمد إلى الحكم

عبير بشير

2018-06-12

رغم تقدم مهاتير محمد الكبير في السن، إلا أن هذا لم يمنع الرجل التسعيني من حسم الجولة الانتخابية لصالحه، وحصد معظم مقاعد البرلمان الماليزي على حساب رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق - زعيم ائتلاف الجبهة الوطنية -.
ويعتبر هذا الفوز غير المفاجئ اعترافاً بفضل الرجل في نهضة ماليزيا، ووضعها في صدارة الدول الآسيوية المتطورة، وتحويلها من واحة الفقراء والفلاحين إلى قبلة للصناعة والإنتاج.
وحصل "باكاتان هارابان" – تحالف الأمل المعارض – الذي ترأسه مهاتير على أغلبية مؤثرة في البرلمان الماليزي، بفضل إرث مهاتير محمد النهضوي، فقد استحوذ التحالف على مقاعد في ولاية جوهُر - المعقل الرئيس لحزب منظمة اتحاد الملايو - وحقق مكاسب في كل من أقاليم نكري سمبيلن وسراوق، وكلاهما تقليدياً من معاقل باريسان ناسونال – الجبهة الوطنية الحاكمة -، كما حافظ باكاتان هارابان على هيمنته في بينانج وكوالالمبور وسلاغور، بل إنه أطاح ببعض الشخصيات البارزة في باريسان ناسونال، بما في ذلك رؤساء الرابطة الصينية الماليزية وحزب المؤتمر الهندي الماليزي.
وساهمت مخاوف الشعب الماليزي، بشأن مستويات المعيشة، في إسقاط نجيب عبد الرازق، حيث لم تحظ  إجراءات حكومته بشعبية في السنوات الأخيرة، منها تطبيق ضريبة السلع والخدمات وإنهاء دعم الوقود. هزيمة نجيب عبد الرزاق ليست الصفعة الوحيدة التي تلقتها الجبهة الوطنية في تلك الانتخابات، فإن ما فاقم من خسارتها أنها تأتي بعد تعديلها مؤخراً قانون الانتخابات غيرت بموجبه توزيع أصوات الناخبين على الدوائر الانتخابية بما يضمن لها الفوز بعدد أكبر من الدوائر، كما أقر البرلمان قبيل الانتخابات قانون مكافحة "الأخبار الكاذبة"، الذي رأته المعارضة سيفاً مسلطاً على رقاب منتقدي الحكومة ورئيسها.
وكانت نتائج الانتخابات الماليزية، كفيلة بنقل نجيب عبد الرازق من رئيس وزراء إلى ملاحق بسيل من الاتهامات، حيث باشر السياسي العجوز مهاتير محمد تولي ملف فساد نجيب بحماس شديد من الساعة الأولى لفوزه، حتى قبل تشكيله حكومته، ويواجه نجيب عبد الرازق تهمتين بالفساد يجري التحقيق فيهما، وهما: نهب نجيب ومقربين منه حوالى خمسة مليارات دولار من أموال الصندوق السيادي للتنمية، وبحسب وزارة العدل الأميركية فإن المبالغ المنهوبة تم غسيلها في سويسرا وسنغافورة، وفي نوادي لاس فيغاس، ودخلت في الحساب الشخصي لنجيب، وهو ما ينفيه بالطبع رئيس الوزراء السابق.
والتهمة الثانية هي تلقي نجيب ومقربين منه رشاوى بقيمة مائة مليون دولار في صفقة شراء غواصات فرنسية، حين كان نجيب وزيراً للدفاع في حكومة مهاتير محمد.
وربما أن هذه هي المرة الأولى في التاريخ الماليزي الحديث الذي تشكل فيه المعارضة حكومة وطنية، والتي اتحدت أحزابها بشكل رئيس بسبب المشاعر المناهضة لتحالف باريسان ناسونال ومعاداة نجيب عبد الرازق. كما أن انتصارها مشوب إلى حد ما بحقيقة أن مهاتير نفسه شغل منصب رئيس وزراء في ظل تحالف باريسان ناسونال، ما يجعله جزءا من الحرس القديم.   
وجاء سيناريو عودة مهاتير بعد إحياء تحالف قديم جديد بين مهاتير والقيادي البارز في المعارضة الماليزية، أنور إبراهيم، الذي غادر السجن، بعد عفو عام ملكي صدر بحقه، عقب فوز المعارضة في الانتخابات العامة.
وكانت العلاقة بين مهاتير وأنور بدأت في وقت مبكر، حينها كان أنور يقود العديد من الفعاليات لمحاربة الفساد، وللانتصار للفلاحين.
ولمع اسم أنور كثيراً، وبات في السبعينيات والثمانينيات، واحداً من أهم الشخصيات السياسية والشبابية في ماليزيا وجنوب شرق آسيا، واختير كعضو في هيئة المستشارين الشباب للأمين العام للأمم المتحدة في العام 1973، وشكل في حينها حركة الشباب المسلم، التي كانت بداية انطلاق الرجل الفعلية في عالم السياسة والعلاقات الشبابية والسياسية، مع العديد من المنظمات المحلية والدولية، مهدت الطريق له ليكون أحد أبرز الوجوه الماليزية الجديدة والصاعدة في البلاد.
ومع دخول ماليزيا مرحلة مهاتير في بداية الثمانينيات ،عقب استقالة رئيس الوزراء الأسبق حسين أون من منصبه، كان أنور أيضاً أحد أبرز الوجوه السياسية في الساحة الماليزية.
من هنا بدأت تتشكل ملامح العلاقة بين رجلين غيّرا وجه ماليزيا على جميع الأصعدة.
وتبوأ أنور إبراهيم العديد من الوزارات في حكومة مهاتير، ومن هذه الوزارات التعليم والشباب والزراعة ثم المالية ثم عمل نائباً لرئيس الوزراء.
وفي عهد تحالف الرجلين يحسب لأنور إبراهيم أنه صاحب فكرة "المحافظة على الهوية الماليزية الإسلامية"، بما فيها فكرة إنشاء مصلى في كل مبنى حكومي أو غير حكومي، بما فيها المدارس والجامعات، فيما يرى فيه آخرون أنه أسس لحكم جماعة الإخوان المسلمين.
دخلت العلاقة بين الرجلين القويين في ماليزيا، في طور الفتور بعد الاتهامات التي وجهها أنور إلى مهاتير بالفساد وسوء الإدارة والتسلط، ما دفع مهاتير لإقالة أنور من منصبه في النهاية، وأعقبت ذلك اتهامات أخلاقية لأنور أدخلته السجن، وبدأت معها رحلة العداء بين الرجلين.
ومع أنه تمّ الإفراج عن أنور إبراهيم بعد تبرئة المحكمة العليا له، إلا أن العداء استمر بين الطرفين لسنوات. وفي عهد نجيب عبد الرازق فُتحت قضية أنور إبراهيم من جديد، وتم إدخاله السجن وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات.
انضم مهاتير محمد إلى المعارضة بشكل تدريجي، بعد تردي الأوضاع الاقتصادية في ماليزيا، وتباطؤ النمو، واستشراء الفساد في عهد نجيب عبد الرازق، وابتدأ مهاتير بحملة "نظافة الانتخابات"، وزار خصمه اللدود أنور إبراهيم في السجن معلناً تضامنه معه، رغم أنّه أول من حرك قضايا ضده، واتفقا على العمل معاً لإسقاط حكومة نجيب.
وبعد هذا اللقاء بدأت مرحلة جديدة بين الرجلين، وبشر مهاتير بعودة تحالفه مع حليفه وخصمه السابق أنور إبراهيم بعهد جديد من حكم ماليزيا، فيما قادت زوجة أنور، عزيزة وان إسماعيل، مع زعماء المعارضة، التغييرات الجديدة والحملات الانتخابية.
ثم لجأ مهاتير محمد للإلقاء بثقله في صفوف المعارضة للتخلص من حكومة تحالف "باريسان" الحاكم، وقد تم توقيع وثيقة بين أحزاب "تحالف الأمل" الأربعة، الذي يضم حزب عدالة الشعب، و"العمل الديمقراطي" الذي يُهيمِن عليه الصينيون، و"الأمانة الوطنية" الذي انشق عن الحزب الإسلامي، و"وحدة أبناء الأرض" الذي شكله مهاتير بعد انشقاقه عن حزب "أمنو".
نصت هذه الوثيقة على تولي مهاتير منصب رئاسة الوزراء، والعمل على الحصول على عفو ملكي بحق زعيم المعارضة "أنور إبراهيم" القابع في السجن لتهم أخلاقية يعتبر أنصاره أنها ذات دوافع سياسية.
إضافة إلى ذلك، قرر مهاتير تعيين عزيزة وان إسماعيل زوجة أنور إبراهيم في منصب نائب رئيس الوزراء.
وعندما أعلن رئيس الوزراء نجيب عبد الرازق عن الانتخابات العامة الرابعة عشرة، حرم الحزب الحاكم مهاتير من ترخيص حزبه فقام بخوض الانتخابات على قوائم حزب العدالة الذي تترأسه زوجة أنور، وتعهد مهاتير محمد بالتنازل عن منصب رئاسة الوزراء في حال فاز به لصالح غريمه السابق أنور إبراهيم، بعد حصول الأخير على العفو الملكي وتمكنه من دخول البرلمان في انتخابات تكميلية.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: