التسعينية أبو هنية تستذكر تفاصيل العيد في قريتها المهجرة "شحمة"

2018-06-12

كتب محمد بلاص:


نجحت التسعينية آمنة يوسف أبو هنية، من مخيم الفارعة، أمس، في تنشيط ذاكرتها الهرمة وهي تتحدث بكلمات كانت تقطر ألماً وحرقة عن أجواء العيد في قرية شحمة المدمرة "16 كم" جنوب غربي الرملة.
وباحت أبو هنية، خلال الحلقة "67" من سلسلة "ذاكرة لا تصدأ" لوزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة: "كنا نستعد لعيد الفطر، ونحضر كعك العيد، ويذبح المقتدرون الذبائح، ويجتمع الأهالي في ساحة مجاورة للمقبرة، لزيارة أمواتهم، ويحضرون معهم القهوة، ويوزعون الحلوى عن أرواح الغائبين، ثم يلفون على بيوت القرية".
وسردت: "كان الكبار ينتظرون الهلال، ويستعدون للعيد للذهاب إلى الرملة ويافا، فيخيمون ثلاثة أيام على شاطئ البحر، ويأخذون معهم الطعام والشراب، ويركبون الجمال والخيول، ويفرح الأطفال".
ولا تفارق تضاريس شحمة، مخيلة الحاجة آمنة، فقد جاورتها قرى: قطرة، وبشيت، والمسمية، ويبنا. وبنت بريطانيا مطاراً عسكرياً شمالها، عرف باسم مطار عاقر، وأقامت معسكراً فوق أراض القشة ونجيلة.

لحم وكعك
ووفق الراوية، انتشرت في القرية المهجرة عادة حفظ اللحوم بطريقة تقليدية، ومن خلالها كان الأهالي يسلقون الذبائح، ويحتفظون بها بأوعية من الفخار مع القليل من الطحين خشية أن تتلف، ويأكلون في الأيام التالية للعيد، أما الكعك فكان يعد بعجوة تأتي بأوعية كبيرة تسمى "زنبيلا".
وكانت أبو هنية وطفلات شحمة ينتظرن العيد طويلاً، وكن يتلقين العيدية، ولا تنسى وحدات الجنيه الصغيرة وهي الملات المعدنية، وفئاتها الكبيرة التي كانت مثقوبة من منتصفها.
وقالت: كانت الأمهات والجدات والصبايا يلبسن الثوب الفلسطيني المطرز، وهو قماش من اللونين الأبيض والأزرق والأسود والأحمر والأخضر، وتعلوه الغدقة البيضاء أو كما اصطلح على تسميته غطاء الرأس، وهو زي يصنع بشكل يدوي، وتحرص أبو هنية حتى اليوم على إعداده بنفسها.
وزادت: "كانت أرض أبي رملية، وزرعها بالكرسنة والعدس والسمسم والخضروات، ولا أنسى الخيول والجمال التي انتشرت في شحمة، ومواسم البيادر، حيث كانت الدواب تجر ألواح الخشب لتنظيف القمح والشعير من القش".

أفراح وغناء
واستذكرت: "كان سيدي حسن أول مختار للبلد، ثم انتقلت المخترة لحسن شاهين وعبد الله محمود معاً، ومن العائلات في شحمة كانت حسن، والقريناوي، وعوض، وخضر، وكتكت، والمذكر، وشاهين، وأبو هنية، والمحشي، والحتاوي، واليخري، والراعي.
وأردفت: "كان مهر العروس خمسة جنيهات، أو ليرة ذهب واحدة، وفي وقت الفرح، كانت تطارد الخيل أمام الناس، وتأتي النوريات للرقص على الحبال (استعراض يشبه السيرك) ونغني سبعة أيام بلياليهن، وأذكر أن عائلة محمود عبد الله غنت لابنها الوحيد 30 يوماً".
ولا تنسى أبو هنية، مواسم العيد، حين كان الأهالي يتوجهون إلى البحر، فيجعلون الأطفال والنساء يركبون على الجمال، ويخيمون على الشاطئ عدة أيام يأكلون خلالها ويفرحون ويلعبون.
وتابعت: "كان لزوجي بئر ماء، وحين قررنا الرحيل بعد هجوم اليهود في النكبة، عاد لإطفاء الموتور، وقال: (هو يوم أو يومين وبنرجع)، ثم واصلنا، وكانت الناس حافية الأقدام، وطلعت بملابسها، وكان صوت البارود خلفنا، وأخفت أمي الكواشين والذهب والمصاري في العقود (بيوت حجرية ذات قباب)، وركبت أنا وأختي صبحية على الحمار، وركب إخوتي وأبي على الخيل، وشاهدنا امرأة مقتولة على جانب الطريق، ورأينا عجوزاً رفضت مغادرة منزلها، وحرقها اليهود داخله.
وفرت العائلة وأهالي شحمة نحو خربة "مغلس"، ثم إلى بيت جبرين، فعجور، ثم وصلت بني نعيم، وسكنت فترة في الكهوف، وهطلت الثلوج عليها، وكسرت أغصان الزيتون من قوتها.
ولا تنسى الراوية، قصة الجار شاكر عوض الذي كان محاصراً داخل مغارة، وصار يطلق النار من مسدسه ليفتح الطريق بالثلج، فيما لا تسقط من قلبها وعقلها سيرة ابنها الشهيد عبد المنعم، فتتذكر الفتى الأسمر والقصير صاحب الشعر الناعم والوجه المربوع الذي غاب عنها للأبد في تشرين الأول عام 1989، خلال مواجهات مع جيش الاحتلال داخل مخيم الفارعة فأصيب في وجهه، وكان بالصف الثاني الإعدادي، وتوقفت أحلام "المعلم الصغير".
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: