آراء

مصطلحات وهمية

عبد الغني سلامة

2018-06-11

انتقلت لعبة الدوغما (فن التضليل) من الإعلام الرسمي إلى وسائط التواصل الاجتماعي، ناقلة معها جملة من المفردات التي باتت تشكل وعي الجماهير، وتوجه الرأي العام، بحيث يتداولها الناس دون وعي.
من بين هذه المصطلحات "محور المقاومة".. والمقصود به طبعا إيران، سورية، "حزب الله"، ومنهم من يضيف العراق.. من وجهة نظري أوافق على استخدام هذا المصطلح لتمييزه عن محور السعودية، الإمارات، مصر، الأردن.. وهو المحور الذي يتساوق علنا مع السياسة الأميركية، ويهرول نحو التطبيع مع إسرائيل.. ولكن كلمة "المقاومة" بحاجة لبعض التمحيص.. إيران مثلا، تكشّف زيف مزاعمها بمعاداة "الشيطان الأكبر" منذ صفقة إيران/ غيت (1985)، وفي حرب احتلال العراق (2003)، دعمت إيران كل الجماعات المناوئة لصدام لتسهيل عملية الاحتلال الأميركي، وبعد سقوط العراق تم تقسيم غنائمه بين الحليفين (إيران وأميركا)؛ فمقابل عدم مقاومة القوات الأميركية في المناطق الشيعية، دعمت أميركا حكومة المالكي الموالية لإيران.. وسهلت مهمة إيران لتخريب العراق، وإشعال الفتنة الطائفية.. وعليه، يمكن فهم معاداة إيران للسياسات الأميركية في كل من لبنان وسورية واليمن على أساس تضارب المصالح، وليس أكثر من ذلك؛ فلا يمكن القبول بفكرة معاداة أميركا من ناحية مبدئية وعقائدية في تلك الدول، في حين يتم تقاسم مناطق النفوذ معها في العراق.
أما عن معاداتها لإسرائيل، ومع تقديري لخطابها الإعلامي المعادي للصهيونية؛ إلا أن ممارساتها على الأرض لا تشي بذلك؛ فهي تدعم "الجهاد الإسلامي" و"حماس" فقط، لأسباب معروفة: إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة الأكثر سخونة، ومسك الورقة الفلسطينية الأكثر أهمية، وتوجيه ضربات للخاصرة الإسرائيلية لتحسين موقفها التفاوضي في المعادلة السياسية الإقليمية.. ما يعني أن المسألة هي خدمة المصالح الإيرانية، ولكن على حساب قضية فلسطين؛ فالمال الإيراني ينهمر على "حماس" حين تكون موالية لها، ويتوقف تماما حين لا تكون كذلك، أو حين تتقرب من السعودية.. ولم يحصل أن قدمت إيران دعما ماليا مباشرا للشعب الفلسطيني (للتنمية الاقتصادية والإغاثة الاجتماعية ودعم الصمود الشعبي).. فضلا عن عدم تعاملها مع منظمة التحرير، ومحاربتها للسلطة الوطنية، واتهامها الدائم لها بالخيانة.. والأخطر من ذلك أنها كانت الداعم الأساسي لـ"حماس" في مشروعها الانفصالي في غزة.
أما النظام السوري، فموقفه من أميركا هو نفس الموقف الإيراني، وبنفس المنهجية ونفس المحددات، فقد سبق للنظام السوري أن وقف إلى جانب أميركا في حرب العراق الأولى (1991)، بل إنه أرسل قوات عسكرية للمشاركة في تحالف حفر الباطن.. وفي لبنان، طوال مرحلة الحرب الأهلية، وما تلاها، تحرك في المناطق اللبنانية وفق الخطوط الحمراء التي حددها كيسنجر في نظريته المعروفة، وكانت أقوى وأعنف الضربات التي تلقتها الثورة الفلسطينية من النظام السوري، بدءاً من تل الزعتر ومرورا بدعم انشقاق "فتح" (1983)، وليس انتهاء بتشكيل ما سمي تحالف القوى العشر، ودعم الانقسام الفلسطيني.. على الأقل إيران كانت تقدم المال والسلاح لـ"حماس" و"الجهاد"، بينما النظام السوري لم يقدم سوى الخطابات.. هذا فضلا عن إيغال النظام في دماء الشعب السوري.
"حزب الله"، بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني (حزيران 2000)، وباستثناء بعض العمليات الفدائية، وأدائه البطولي في حرب تموز 2006، من بعدها توقف كليا عن ممارسة المقاومة (فعليا).. ومنذ العام 2011، وهو متورط في الحرب الأهلية السورية.. ومع تأييدي الكامل له في حربه ضد القوى الإرهابية، وخاصة "داعش"، لكن هذا يستدعي الإشارة لأهم السمات السلبية التي طبعت الحزب؛ أولها، أن أفكاره ومرجعياته وبنيته وعلاقاته تدل على أنه حزب ديني طائفي، أكثر من كونه حزبا وطنيا، وأنه يستخدم كل الوسائل لتحقيق أغراضه بالقوة لفرض سياساته على الدولة اللبنانية، ولفرض مفاهيمه بطريقة استبدادية على المجتمع، ولاؤه العلني للنظام الإيراني، يخدم مصالحهم، وفق نظرية "الولي الفقيه"، ومع أنه يبدو ظاهريا مساندا لقضايا الحريات والعدالة في العالم العربي إلا أنه يساند نظم الاستبداد، ومع كل التقدير والإجلال لدوره البطولي وعملياته الفدائية ضد إسرائيل، إلا أنه بنهجه الطائفي الإقصائي ألغى دور القوى الوطنية الأخرى، ونحاها جانبا، وقوّض صدقية المقاومة بتحويلها إلى ميليشيات تقاتل من أجل مصالح طائفية، إضافة لدوره في التخلص من أهم المفكرين الشيعة اللبنانيين، مثل حسين مروة ومهدي عامل، ودوره في الاغتيالات التي دبرها النظامان السوري والإيراني في لبنان.. وفي تعاطيه مع قضية فلسطين، استخدمها بشكل وظيفي لتغطية دوره الإقليمي، وللتغطية على واقعه كحزب طائفي.
تلك أبرز الملاحظات السلبية على "محور المقاومة"، والتي تدعونا للتحفظ على كلمة "مقاومة".. مع التقدير لخطابه الإعلامي المناهض للتطبيع.. لكن المقاومة الحقيقية تعني الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، والتعاطي مع ممثله الشرعي، وعدم تغذية الانقسامات الداخلية، والتوقف عن استخدام القضية مطية وواجهة، لأسباب ودوافع لا علاقة لها بمصلحة القضية الحقيقية.
ومع أن هذا المحور يخوض حربا شرسة ضد الحلف الخليجي في سورية، إلا أن هذا لا يجعل منه مقاوما.. أي بالمفهوم الوطني/ القومي/ التقدمي/ الإنساني الذي نعرفه.. إلا إذا كان المقصود به مقاومة النفوذ الأميركي/ السعودي/ القطري/ التركي في سورية لصالح النفوذ الروسي/ الإيراني.. صحيح أن هذا المحور أقرب إلينا من المحور الأميركي.. ولكن لنضع الأمور في نصابها، ونستخدم المصطلحات المناسبة.. دون تضليل.
ليكف المحللون السياسيون عن الظهور على الفضائيات، بذلك الخطاب الدوغمائي الشعاراتي المضلل، الذي يستهدف مجاراة الرأي العام، والانقياد لرأي الشارع (العاطفي، الذي يريد نصرا سريعا).. ولنقدم للناس خطابا سياسيا عقلانيا، متزنا.. خطابا ثوريا يقود الشارع، لا ينقاد له، يحلل وينقد بطريقة موضوعية، ولا يبيع الوهم، يقدم الخطط والبدائل والمقترحات، بدلا من الصراخ والاتهامات والتخوين.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: