كي تنتصر طروادَة .. ولا يصمت أبولّو!

2018-06-06

مهند ذويب

بعد 51 عامًا مِن الصّراخ المُر يرحل المذيع المصريّ أحمد سعيد، كأنّه الشاخصة الأخيرة التي تدلّ على عُمقِ البحرِ الهلام الذي جوّع سَمكه كثيرًا في جُملته المَشهورة، أو الشاخِصة الأخيرة في طريق الرّجال الذين عبروا الشّمس كالماء فتبخّروا قبل اجتيازِ حدود الحلم عندَ غسّان، رحل كأنّه آخر ما تبقى لصوتِ العرب من بحّة شرقيّة، أو غصّة في القلب، رحلَ وبياناتُه تستأثر بسخط التاريخ، ولعنة تغيّر الأعداء، وتشهد على سنواتٍ من الانتِكاسات المتواصلة، فقد كُنّا قبل حزيران كأفراخِ الحمام؛ لذا تَفتّت حُبّنا في السّلاسل يا درويش!

قبل آلاف السّنوات وفي طروادَة المدينة التي حاولت أن تكونَ جمهوريّة المثاليّة الفاضلة، والتي لا أعرف حقًا إن سبقت أفلاطونَ أم تلته، ولا أعرف تحديدًا إن تجاوَزت حدودَ الأسطورة، والتَحمت بالذاكِرة – الأرض أم لا، لكنّ الأسطورة تدّعي أنّ أبولّو إله الشّعر، وبوسيدون إله البحر بنياها، ولكَ أن تتخيّل نتاجَ تمازُجٍ كهذا. وقبل آلاف السّنوات أيضًا استطاعت إلهة تُدعى أفروديت إعادة باريس ابن ملك طروادة بريام إلى المدينة بعد أن أغرته ليفضّلها في الجمال على إلهتين أخريين، باريس الذي استطاع اختطاف هيلين ملكة إسبرطة الجميلة، وأخذها إلى طروادة، ليُشعل فتيل حربٍ دامت عشر سنوات، فهل تصدّقون أنّ حربًا تدوم عشرَ سنوات من أجل امرأة؟

لا يُهمّ هذا، فقد أبيدت طروادة، ورغم أنّ إله الشّعر صنعها بيديه، لكن لم يَكتب أحدٌ من شُعرائِها أو كتابها نصّ المذبَحة، أو تفاصيل الجنون في عشرِ سنوات عِجاف، وتركوا للآخرين مهمّة الادّعاء أو الحقيقة كهوميروس، مثلًا: "نحنُ نتكلّم باسم الغائب، باسم شاعِر طروادَة، فإنّ الوحي الشّعري والمشاعر الإنسانيّة تظهر في الهَزيمة أكثر منها في النّصر" هكذا قالَ درويش للصحفيّة، "ونحنُ نكتُبُ ما أرادَ شعراءُ طروادة كِتابته، فللحقيقة وجهان، نحنُ استَمعنا إلى الرّواية الإغريقيّة، وسمعنا أحيانًا صوت الضّحيّة الطرواديّة، أمّا أنا فأبحث عن شاعِر طروادة؛ لأنّ طروادة لم تروِ حكايتها"، أذهلَها ربّما، وربّما أرادَ أن يقول إنّنا نكتُب لكي نؤرّخ لموتنا بأيدينا، ولكي لا نُصبِح عُرضَة لأساطيرِ الآخرين، نكتُب لكي تنتَصر طروادَة – الوَطن على ترهّل التاريخ، ولكي لا يَفنى أبولو الذي وقفَ على أطلالها واستَوقف، وبكى واستبكى كالمَلِك الضّليل تمامًا.

في الأساطيرِ القديمة أيضًا يقوم إله ما بوضع همومِ البَشر في أكياس، وتبديلِها، فيستيقظ الصّباح في عيونِ الناس غريبًا، لا يُشبه صباحاتهم، يحاوِلون الاعتياد، والاعتيادُ أكبر تنازلٍ يمكن أن يقدّمه الإنسان –هكذا يقال، وهكذا هي الحقيقة نسبيًا- لكن عندما حلّ المساء تجمهروا ليطالبوا باسترجاعِ همومِهم الخاصّة وكأنّها أحلامُهم، والبَشر أوطان، كذا نحنُ لم نتعلّم من الأساطير، ولا حتّى من دوراتِ التاريخ المتشابِهة، ولم نتّفق -بعد 70 عامًا من القروح التي باتت تغطّينا – على شكلٍ محدّد للسّماء التي نريدها، ولا للطّريقة التي نريدُ بها همومَنا حتّى، ولم نستمرّ بلعبة الأحصنة والقتال، فقط تأكُل رؤسنا الآن تشوّهات الأفكار: هَل نحنُ طروادَة التي حافَظت على امرأة باريس؟ أم نحنُ إسبرطة التي سُرقت ملكتها، الملكة المَرأة، والمَرأة الأرض؟

في العام 1912 كَتب الشاعِر "الإسرائيلي" يِسرائيل داشمان وغيره عدّة قصائِد، شكّلت حالةً من الفنتازيا، والبكائيّة أمام العالَم، هذه القصائِد التي تُرجِمت إلى لغاتِ العالم، مدّعية بشكلٍ ضمنيّ أنّها قصائِد طروادَة الضائِعة، مكلّلة ببكائيّة الدّم والحرق، فحمّلت أكتافَ العالم همًا تاريخيًا مزورًا، أذكُره إذ يقول -أيّها الشّعراء المتناكِفون على اللاشيء-: "هُنا في أرض الأجداد الغالية هُنا سَنحيا .. هُنا سَنخلق حياةً من الحريّة هُنا ستنتصرُ الروح الإلهيّة هُنا ستزهرُ التوراة احرثوا .. فالبراعِم ستنبتُ هنا بعدَ حين " لست مطالبًا الآن بتقديم الأدلّة، ولا برمي أطواق النّجاة، بل لستُ قادرًا على هذا؛ لكنّني أزعم أنّني أحاوِل بكلّ ما أوتيت من يَدين خوضَ لجاجِ الحِبر، مؤمنًا بضرورة إكمال الصّعود اللامحسوس إلى نشيدِ الأناشيد القادِم، معتقدًا أنّ الثقافة والكتابة محاولة لاستنساخ الأسلحة، ومواجهة مدّ الهراء الذي يبلغُ أوجَه، نحنُ ما زلنا غير مقتنعين بأبولّو كمتراسٍ جيّد، ولم نحاول جاهِدين تصدير روايتنا الكامِلة إلى العالم الرّمل، الذي يتقلّب بين إصبعين من أصابع الريح، وما زلنا نرى سرقة ثقافتنا، وتراثنا من باب بيتنا الذي بقيَ بابه فقط، وما زِلنا نختَلفُ على شكل القَصيدة، وأدب المرأة، ومسمّيات الأشياء، ومَناصِبِ المثقّفين، وادّعاءات العلو، ناسينَ حصاد الوقت لحيّز وجودِنا، واختِبار الزّمن الصّعب لفتاتِ الأبجديّة في الخُلود، فكيفَ سنُمنح رغبَة طروادَة في التّجدّد -المجاز؟، وكيفَ سنقاوم رغبة أبولو– عبقر بالصّمت؟، وكيفَ سنُكمل نصّ المَلحمة الفلسطينيّة؟ وأتساءَل أيضًا -كما تَساءَل درويش- "هَل غيابُ الشّعرِ عندَ شعبٍ يشكّل سببًا كافيًا لهزيمته؟"، وأضيفُ: الشّعر الحقيقيّ.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: