مواجهات غزة: عن الأخلاق، والقانون، والحرب

2018-05-18

بقلم: يوسي دهان
«الحقيقة هي الضحية الأولى للحرب»، قال في بداية القرن العشرين السناتور الأميركي، وورن جونسون. يعكس هذا القول بقدر كبير الواقع الذي يستخدم فيه الطرفان في النزاع الحربي الاكاذيب والدعاية لتبرير أعمالهما امام مواطنيهما وفي أوساط الرأي العام العالمي، واقناعهم بان المسؤولية عن بدء الحرب وضحاياها ملقاة على الطرف الآخر.
هكذا مثلاً قالت سفيرة اسرائيل في بلجيكيا، هذا الأسبوع، في مقابلة تلفزيونية مع شبكة محلية ان كل الفلسطينيين الذين قتلوا في المواجهات قرب جدار القطاع كانوا «ارهابيين» حاولوا اجتياز الجدار من اجل المس باسرائيل، وهو ادعاء يتعارض وبيان الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي بأن «24 على الاقل من القتلى في المواجهات هم مخربون عملوا في الارهاب في صفوف حماس والجهاد». فقد أفادت احدى وسائل الاعلام، أول من امس، بان مسؤولاً في «حماس» قال إن «50 من القتلى في الاضطرابات هم من رجال المنظمة»، فانتماؤهم تنظيميا لا يجعلهم تلقائيا ما وصفهم به الجيش الاسرائيلي بانهم «مخربون عملوا في الارهاب».
كما لم تكن لوزير الامن الداخلي، جلعاد اردان، مشكلة في استخدام التلاعبات اللفظية كي يتصدى لعدد القتلى الكبير. فعلى حد قوله، فان «عدد القتلى لا يعني شيئا. بالضبط مثلما هو عدد النازيين الذين ماتوا في الحرب العالمية الثانية لا يجعل النازية شيئا ما يمكن تفسيره أو تفهمه. الحقيقة واحدة». فالتشبيه بين النازية و»حماس» هو ادعاء يؤدي الى تبخيس قيمة الكارثة، ولا يخدم محاولة الوزير تبرير كمية القتلى.
وبخلاف اردان، فان الكثيرين في اسرائيل وفي العالم يعتقدون بان عدد القتلى في المواجهات في القطاع بنار قناصة الجيش الاسرائيلي عال جدا ويتطلب فحصا وتبريرا. فالحديث يدور عن اناس يتبنون فكرة انه تنطبق القيود حتى على الاعمال القتالية. وحسب هذه الفكرة، تنطبق على الحروب قواعد سلوك اخلاقية بعضها منصوص عليه في احكام الحرب في القانون الدولي. هكذا، مثلا، التمييز بين المقاتلين وبين المدنيين. فالمقاتلون هم هدف مشروع في اثناء القتال، ولكن يجب الامتناع قدر الامكان عن المس بالمدنيين. وعليه فان نار صواريخ القسام من «حماس» على سكان سديروت ليست مشروعة، وهكذا ايضا القصف من الجو على أهداف في غزة معروف انه يتواجد فيها مدنيون.
في المواجهة على حدود القطاع قُتل في اوساط الفلسطينيين مقاتلون، كاولئك الذين حاولوا زرع عبوات ناسفة قرب الجدار، وهم بمثابة هدف مشروع. ولكن تقارير الاعلام (وهذا يفهم ايضا من اقوال الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي) قُتل بنار القناصىة ايضا متظاهرون غير مسلحين قاموا باعمال احتجاجية، بعضهم في محاولة اقتحام الجدار. هل كان من الجدير اطلاق انار عليهم حين كانت النتيجة المأساوية موت بعضهم؟
من يرغب في أن يبرر لنفسه ولغيره ما حصل، هذا الاسبوع، على حدود القطاع يجب أيضا ان يستوضح اذا كان سلوك الجيش قد التزم بقاعدة قانونية واخلاقية مهمة اخرى هي التوازن. وحسب هذه القاعدة فان الضرر (الهدم، القتل، والاصابة) الذي يلحق في اثناء القتال يجب أن يكون متوازنا مع الهدف المنوي تحقيقه. هناك واجب تقليص الهدم والاصابات الى الحد الادنى. وهدف هذا المطلب هو الحماية من الهدم والمعاناة الزائدتين. هكذا مثلا في الأعمال الحربية من المحظور على طرف ما ان يقتل الطرف الثاني اذا كان يمكنه أن يحقق الهدف ذاته من خلال إصابته فقط.
برر اللواء احتياط، عاموس يدلين، أول من أمس، على هذه الصفحة موقف الحكومة (الذي يحظى بتأييد جماهيري أيضا) فقال ان «... هذا ثمن باهظ ومحتم من قتل الابرياء ممن تحت حمايتهم ومن خلفهم يعمل مخربو حماس». وبرأي يدلين، فان واجب الجيش الاسرائيلي لحماية مواطني الدولة والامتناع عن المس بالابرياء كان مخاطرة حقيقية للمس بمئات الاشخاص من الطرفين نتيجة لتصعيد واسع». فهل كان قتل 60 فلسطينيا واصابة اكثر من 1.300 منهم بالفعل وضعا محتما؟ أولم يكن يمكن أو لم يكن ممكنا حماية حدود اسرائيل بشكل متوازن اكثر ومأساوي أقل؟

عن «يديعوت»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


آراء
عبد الناصر النجار
بين سياسة الأمر الواقع وسياسة...
آراء
حسين حجازي
عن التسوية مع غزة أولاً
آراء
حمادة فراعنة
نعم سننتصر ولكن
خرم إبرة
رامي مهداوي
عن مستنبت حشيش
ومضات
وليد بطراوي
ومضات
اقرأ المزيد ...