أطراف النهار

حارس المرمى

حسن البطل

2018-05-17

خلقته أمه لهذه اللحظة: عصفور يفرّ إلى ..الخطر. وخلقته قوانين اللعبة إلى استثناء القاعدة: الكرة لأقدامهم في قانون الحركة؛ وليديه في قانون إخماد الحركة.   
.. وللكرة كل هذا الدلال المشين في التقلب السريع، والانتقال من خلال أقدام اللاعبين (يسرى ويمنى) إلى خلال أصابع كفيه العشر. لا يضرب اللاعب الكرة بقدمين اثنتين؛ ولا يمسك حارس المرمى الكرة بأصابع يد واحدة.. قد يركلها بقبضة يد واحدة لينعطف الخطر عن حياضه، لكن لا تنفجر حناجر المشاهدين كما عندما تفرض أصابع حارس المرمى العشر قانون السكون على كرة خلقت لقانون الحركة.    
هناك علاقة تعاطف سرية بين الكاتب وحارس المرمى، ولعلها كالتالي: إن ثلاث أصابع تمسك بالقلم .. أو أن أصبعين تساعدان الإبهام في الإمساك بالقلم. أما حارس المرمى فإن ثماني أصابع تساعد إبهامين للامساك بالكرة من جنون الحركة وتطويعها إلى حكمة الاستقرار في لحظة خاطفة، تكفي لتدور اللعبة دورة جديدة.   
للاعب في الفريق أن يدور حول الكرة التي تدور، فتراه مقبلا ومدبرا، ومن الجانب الأيمن والجانب الأيسر. أما حارس المرمى فكأنه حركة القمر حول الأرض، لا ترى إلا جانبه المضيء. قلما تتخطى حركته صندوق الملعب.. حيث الغلطة البسيطة تتحول عقوبتها من حكم الجنحة إلى حكم الجناية، ويصدر الحكم حكمه في لحظة واحدة: ضربة جزاء. آنذاك، يا للقهر الحقيقي والمفتعل، ويا للفرح الحقيقي او المفتعل.   
ضربة الجزاء أشبه بحقل رماية على محكوم بالإعدام يراه الكلّ .. ولا يرى هو سوى شيء واحد: قذيفة قاتلة عليه أن «يقتل» حركتها، ويعقل جنون اندفاعها، وان يفر من «الخطر» المقبل لا كما تفر العصافير، بل كما يهجم الأسد الغاضب.  
طلقة الإعدام قاتلة من مسافة 9 أمتار (11 ياردة)، وقذيفة الكرة شبه قاتلة من هذه المسافة .. والفارق؟ أن طلقات الإعدام تتبعها طلقة الرحمة أو الإجهاز، وأما قذيفة الجزاء، فهي تحيي انفجار الفرح هنا، وانفجار القهر هناك.. على ملعب واحد، ومدرجات ملعب واحد .. والكل أطفال بعد الهدف بقليل.   
لكرة القدم جمال صراع قانون القاعدة مع قانون الاستثناء. ولها، أيضا، هذا «الإله الداخلي» في الصدور.  
الحماسة هي هذا الإله (كما قال اندريه مالرو) الذي يضيء وجه اللاعب .. دون أي «رتوش» من تصنع الكذب. حيث الفرح شعور صرف كالفرح، والغضب شعور صريح كالغضب، والأسى يكوي كالأسى .. دون مجاملة. الكل رجال في اللعب، ولا أحد يعفّ عن خدع الأطفال المعتادة: الغش الصريح والغش المخفي .. ولصفارة الحكم أن تقول كلمتها فاصلة، فتأتي مع العدالة غالبا، ومع الهوى أحياناً نادرة.. ولا يستطيع الحكم أن يرى كل شيء، وعليه أن يحسم في كل شيء. لا غنى عنه أن عدل وان مال مع الهوى.  
في كرة القدم لا يتعلمون فنون الدراما كما على المسرح. لا يتعلمون فنون الإلقاء، ولا قواعد الرقص. مع ذلك يجيدون دراما انفعال الفرح، وكما الأطفال يرتمون على الأرض يدقون قهرهم بقبضات ايديهم فيجيدون دراما الحزن، وكما الجرحى يتلوون من الألم.. ويبصقون لعابهم مثلما يحلو لهم أن يفعلوا، ويؤدون الرقصة في منتهى الرشاقة غالباً، وقد تخذلهم في اللحظة الحرجة الكرة الطائشة أو ربلات سيقانهم، أو كاحل قدمهم. أو يترددون بين ركل الكرة بقدمهم أو برؤوسهم.. أو يغارون عليها غيرة قاتلة من زملائهم.
بماذا يصفون الإنسان العصامي الناجح؟   
يقولون: يقف على أرض ثابتة! أو يقولون: يقف على قدمين راسختين .. وأما على ملعب الكرة، فإن الأداء الناجح هو العلاقة المتكاملة بين الحركة والسكون.. كما هي بالضبط هذه الكرة التي تذهب في كل اتجاه يشاء اللاعب، وفي اللحظة الحرجة تذهب إلى حيث تشاء قوانين الحركة الطبيعية (تحريك ساكن أصعب من تسكين متحرك).   
ها هنا يكمن جمال خاص للعبة كرة القدم: حوار بين قواعد الحركة الطبيعية وبين قواعد اللعبة.. وكل فريق يحاول تسخير قوانين الحركة الطبيعية لتكون حليفة وفي الاتجاه الذي يريده: قفص يعلو سطح الملعب 212 سم ويمتد 350 سم .. وحارس مرمى عليه أن يكون مع قوانين اللعبة وضد مجرى اللعب من المرمى إلى المرمى.   
خلقته أمه لهذه اللحظة الحرجة بين دلال الكرة وعنفوان اللاعب، وهوس الجمهور .. وصفارة الحكم. إنه حارس المرمى. وقانونه: الواحد للكل في لعبة قانونها الكل للواحد. إنه حامل الرقم «واحد» غالباً .. أو الرقم 22 أحياناً.

حسن البطل

29-8-1999                                                                            
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: