آراء

يحتفلون .. ويقتلون

مهند عبد الحميد

2018-05-15

يحتفلون ويقتلون، هنا يحتفلون وهناك يقتلون، على هذه الارض موت ودماء تهرق بلا رحمة، وعلى الأرض نفسها ابتهاج وتصفيق، هنا أصولية إسرائيلية، وهناك أصولية أميركية، أصوليتان توحدتا في أصولية واحدة على شرف المال ورعايته في زمن التوحش، وفي زمن محن الشعوب ونكباتها. منذ صعوده على دِكة الرئاسة الأميركية أرسل ترامب فريقه «للسلام» المكون من شخصيات أصولية داعمة للاستيطان والاحتلال ومعادية للسلام والعدالة، بعضها كالسفير فريدمان متهم - بدعم منظمات إرهابية منبثقة عن منظمة القاتل كاهانا- هذا الفريق يتوج أعماله بنقل السفارة  الى القدس بعد الإقرار الأميركي بضمها الى دولة الاحتلال.
في هذا اليوم يشاهد العالم لوحة سريالية فيها : سعادتهم وبؤسنا، غِناهم وفقرنا، استقرارهم وتشردنا، قوتهم وضعفنا، تقدمهم وتأخرنا، انتصارهم وهزيمتنا، ظلمهم التاريخي وعدالة قضيتنا. «كل شيء يلتقي بنقيضه «كل شيء من هذا وغيره يتنافر مع شقه الآخر من المعادلة، مقدما بذلك وصفة سحرية لصراع مفتوح لا حل له في إطار ثنائية متنافرة، ولا يمكن حسمه بإعادة انتاج أسياد وعبيد، او بإخراج 6 ملايين  فلسطيني «ما يعادل نصف الشعب» خارج وطنهم التاريخي.  مشروع  إدارة ترامب الذي ينتمي الى عهد التوحش الاقتصادي والسياسي العالمي، المتطابق مع سياسات إدارة دولة الاحتلال والاستيطان، والمؤيد من الوكلاء العرب الجدد يشكل محاولة محمومة ونافرة لحسم الصراع عبر أشكال من التوحش الأمني
القدس تتحول الى ثكنة عسكرية، حيث تنتشر الشرطة والخيالة ورجال الامن في الشوارع المؤدية الى مقر السفارة الاميركية الجديدة، وينتشرون حول سور البلدة القديمة وداخلها، ويتدفق آلاف من المستوطنين الى المدينة، ويستبيحون البلدة القديمة، ويدخل مئات منهم باحات المسجد الاقصى وسط حراسة أمنية مشددة. ويتم نشر 11 كتيبة عسكرية على الحدود مع قطاع غزة، وتتزايد حملات الاعتقال في الضفة الغربية للحد من مشاركة الشبان في مسيرات الاحتجاج في ذكرى التطهير العرقي واحتجاجا على نقل السفارة الأميركية والموقف الأميركي الداعم للاحتلال والاستيطان الإسرائيلي. مشهد سريالي تتحول  فيه القدس الى ثكنة عسكرية، وتتحول فيه الحدود مع قطاع غزة الى ساحات حرب بين طرف يملك كل أسباب القوة المادية، ويمارس القتل، وآخر أعزل يُقتَل حتى وهو يمارس حقه في الاحتجاج السلمي.
ثنائية بدأت قبل 70 عاما وتستمر الى يومنا الحالي، بل تزداد تفاقما وتتعرى من كل المبررات التي غطت مشروعهم الاستعماري. ثنائية يتولى فيها الطرف الذي يملك كل اسباب القوة وتدمير كل المقاربات الدولية للحل السياسي ولوجود آخر معترف به، وتتولى اسرائيل افتعال تهديدات وجودية في الوقت الذي تمارس فيه تهديدا وجوديا لشعب آخر، وفي الوقت الذي يتسابق فيه أعداء الامس على خطب ودها. انه منطق غطرسة القوة الذي يزداد صاحبه صلفاً وعناداً وتوحشاً مع ازدياد قوته، ويزداد كراهية للضعفاء ورغبة في تدمير حقوقهم. فاسرائيل النووية التي تربطها اتفاقات ما يسمى «سلام» مع مصر والاردن وصداقات حميمة مع دول خليجية، والتي تنهار امامها قوة النظامين في العراق وسورية، والتي تتحكم أو تسيطر على النظام الفلسطيني بأشكال مختلفة. هذه الدولة تدعي تهديدا وجوديا مزعوما من قبل إيران، ذلك التهديد المؤسس على خطاب لفظي الذي يعد بتدمير اسرائيل، فتقرع طبول الحرب باعتبارها اللعبة المفضلة والحقل الذي ترعرعت وأدمنت عليه جريا وراء غاياتها الاستعمارية، وفي مقدمة ذلك استباحة الحقوق الفلسطينية طولا وعرضا، فضلا عن استباحة القانون الدولي بكل مكوناته.
ما كان لدولة الاحتلال ان تفعل كل هذا بمعزل عن النظام الدولي الذي يخضع لديكتاتورية الأقلية التي يجسدها مجلس الامن الدولي، حيث تستطيع دولة واحدة – الولايات المتحدة - حصرا منع اتخاذ قرار دولي، واذا ما اتخذ القرار وقد اتخذت مئات القرارات في الجمعية العامة للامم المتحدة  وعدد لا بأس به من قرارات مجلس الامن الخاصة بالقضية الفلسطينية، فإنها تحول دون تطبيقها وتحولها للأرشيف وتصبح جزءاً من الماضي وليست ذا صلة. واذا ما جرى تنفيذ بعض القرارات فان الدول التي ايدت القرارات ونفذتها تتعرض لعقوبات وعزل من قبل الدولة العظمى، بما في ذلك المؤسسة التي اتخذت القرار. نموذج اليونسكو والمنظمات التي قبلت فلسطين عضواً فيها التي تعرضت لعقوبات وانسحابات، واضعة المؤسسات الدولية أمام مفارقة فارقة عنوانها معاقبة كل دولة تلتزم ميثاق الامم المتحدة ومكافأة الدول التي تنتهك وتدوس الميثاق والقانون الدولي على قاعدة ديكتاتورية الأقلية ومعاقبة الأكثرية. واذا كان النظام الدولي قد عمل سابقاً بنظام ديكتاتورية الأقلية دون إعلان سافر، فإن النظام الدولي في عهد دونالد ترامب قد اعتمد تلك القاعدة على رؤوس الأشهاد، وتمكن من تمرير سياساته بفعل المعارضة الخافتة الناجمة عن التبعية للموقف الأميركي، والافتقاد الى سياسات بديلة مستقلة وضاغطة. إن الافتقاد لسياسات بديلة للموقف الاميركي من مدينة القدس وصفقة ترامب ساهم ويساهم في تمريرها وتحويلها الى امر واقع.
ديكتاتورية الاقلية لا تقتصر على مجلس الامن وهيئات الامم المتحدة فقط، بل تمتد الى الاتحاد الاوروبي الذي تمكنت أقلية من ثلاث دول هي المجر وتشيكيا ورومانيا منع 25 دولة اوروبية من إصدار بيان ضد نقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس وضد الموقف الاميركي من مدينة القدس. ومن اللافت ان تمرير ديكتاتورية الأقلية وحقها في تعطيل المواقف السياسية، ييسر إمكانية شراء مواقف بعض الدول ودفعها لتعطيل وتخريب مواقف وسياسات المجموعات الإقليمية، كما حدث ويحدث على يد دولة الاحتلال. فقد كان لاسرائيل دور في كسب ولاء بعض الدول وفي تقويض موقف الاكثرية. لماذا يعتمد الاتحاد الاوروبي سياسة الإجماع وحق الاقلية في تعطيل السياسات، هل يقتصر ذلك على الموقف من القضية الفلسطينية؟ ولماذا لا يعتمد الاتحاد الاوروبي على نظام الاكثرية ولتكن الثلثين كأقصى احترام لرأي الاقلية. والغريب في الأمر ان جامعة الدول العربية اعتمدت موقف الاكثرية رغم انه جاء في سياق تثبيت اكثرية متناغمة مع الموقف الاوروبي، وكانت قد اخذت بنظام الاجماع عندما كان موقف الاكثرية العربية مناهضاً للموقف الأميركي.
الى متى سيبقى الشعب الفلسطيني يدفع ثمن ديكتاتورية الاقلية، ويحصد الثمار المرة لعهد التوحش الاقتصادي والسياسي والعسكري الدولي، وفي زمن الاندلاق العربي الرسمي على إدارة ترامب راعية التوحش وديكتاتورية الاقلية، وفي زمن استقواء الدول العربية النافذة بدولة الاحتلال. سيبقى هذا الخلل قائما ما لم يحدث استنهاض شعبي عربي داعم لنضال الشعب الفلسطيني، وما لم يتعزز معسكر مناهضة التوحش على صعيد كوني.
Mohanned_t@yahoo.com
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: