دفاتر الأيام

1920

زياد خدّاش

2018-05-15

أن تسكن في بيت مبني منذ العام 1920.. أن تنهض في الخامسة والنصف، بالضبط، على صوت قلبك وهو يقول لك كتعويذة أو همس نبوي أو ترتيلة صلاة: "الحديقة، الحديقة، الحديقة...".. أن تمسك يد الصوت وتجعله يقودك حباً حباً... طفولةً طفولةً... إلى حيث جنتك التي لا تفكّر في طعن ظنك، أن تخرج إلى هناك كما تخرج عن نفسك أحياناً تجاه طاقتك الضائعة في زقاق الـماوراء؛ لتداعب خصلات الهواء بابتسامة، وتلعب مع الصمت لعبة الظل والضوء، وتجلس مع الضوء الخفيف وجهاً لوجه لتقول له أسرار الليلة البائدة، حيث حلـم تدفق وتوهج حتى انفجر وفاض في وجه الـمكتبة و(اللابتوب)، وتناثرت رسائل محبة لا تتوب عن الأحلام. أن تصغي إلى صوت الشجر وهو يعتذر إليك عن إجازته السنوية. أن ترى نفسك قبطان الدنيا الـمستيقظ. أن تتوهم أن بإمكانك الصراخ الآن وعرقلة أحلام النائمين بقدميك. أن تدق باب البرد الخفيف وتستأذنه في رقصة صغيرة حول النبتة الغريبة الـمزهرة من شقوق بلاط الحديقة. أن تنحني نحو بلاط الحديقة العتيق جداً لتقبله بأنفك وتشمّه بعينيك وتلـمسه بروحك وتتذوقه بجسدك. أن تخطب في حشود حواسك من على سور حوض الزهر الـمرتفع قليلاً: يا حواسي، تعري وسيلي وتخلي عني واعترفي وانشقي عن روح الـمكان والزمان هنا، على أرض هذا الصباح الـمبلل.
أن تكمش حفنة تراب من أحد أحواض الحديقة، وتضعها في جيب منامتك كمصروف اليوم أو حلوى عيد يومي هو حديقتك، أليست الحديقة عيدك؟ وأمك؟؟
أن تسمع صوت غليان قلبك في الـمطبخ؛ فتهرع سريعاً لتدلق قلبك في قلبك، وتعود سريعاً إلى الجنة الـمصغّرة. أن تودّ خنق حنجرة الوقت، أن تحاول ذلك؛ ليبقى هذا الفجر الضبابي الـمنزّه عن الـموت منتصباً فيك وحولك. أن تتذكر فجأة أنه لا جيران حولك مباشرين ليشتتوا انتباه الزهر فيك. أن تمشي حافياً حول 1920 فيركض خلفك البرد ويسبق لهاثك الصمت، أن تحس بمتعة غير بشرية... صوت القلب الأسود وهو يندلق في القلب الأحمر، أن تفكر في أنك هنا تولد كل يوم ويولد معك العالـم كل يوم، سحقاً لـمن يتأخر في نومه، كم هو لا شيء، وكم هو بلا قلب، كم هو عدوي وعدو الندى، أن ترى قطارهم يمر أمامك، هؤلاء هم مندوبو الصفاء الكوني: العشاق والـمجانين والأطفال والطيور والصمت والورد، تلك هي بكارات الصباح، (أنا من سلالة العشاق الدائمين)، أن تفتح النوافذ كلها، كأنك تفتح باب قلبك، تختبئ خلف شجرة اللوز، تسمع ثرثراتها مع السلاسل الحجرية القديمة كجارتين ضجرتين نحيلتين خمسينيتين.
ألا تفكر في الـموسيقى والأصحاب والأدب والكتب والنساء والوطن، فلا وقت لهذه القشور العابرة أمام هذا الـمحتوى الأبدي الروحي الـمزدحم بالأجراس والإشارات الإلهية وقوافل الزمن، أن تكون هناك بكليتك، بعقلك الفارغ، وقلبك الذي عمره نصف ساعة. أن تقترب من شجرة الرمان عارية الأغصان، تقطف رمانة متعفنة، تضمها بسعادة حقيقية (دون تفلسف مثقفين)، مغمض العينين إلى صدرك، يا لشجاعة وصبر هذه الرمانة، بقيت صامدة على الغصن رغم جراحها النازفة وإعاقة عينيها وقلبها، فقد اختارت أن تكون هي الدليل والتجربة والنبوءة، أن تتعلـم من عفن هذه الرمانة أن التعفن ليس بالضرورة هو الـموت، بل هو الإشارة الـمؤكدة الأخيرة إلى حياة خصيبة ستأتي، أن تحاول أن تغني؛ فتقول لك روحك: اخرس.. أن تحلـم بنص؛ فيقول لك ذهنك: اخرس. أن ترغب بصوت الحبيبة؛ فيقول لك قلبك: اخرس؛ لتعرف فيما بعد أن الحديقة هي الحبيبة والنص والأغنية.
أن تتذكر أصحابك الغاضبين منك وهم يسألونك لـِمَ لا تسافر؟ وتسمع إجابتك السرية: ربما أسافر بشرط صغير، أن تتسع حقيبتي لحديقتي؛ فيضحك الأصحاب ويصيحون في عزلتك: "ليكن قلبك الحديقة". فتجيبهم: "زهقت من الشعر واللغة الرنانة، قرفت من البلاغة". أن تتعجب من بيت بلا حديقة، فالحديقة موسيقى البيت، الحديقة شعر والبيت نثر، الحديقة أنوثة والبيت ذكورة، الحديقة مخزن الطاقة حين يبقر بطنها رمح الحياة، هي احتياطي الحنين الـمخيف حين تجفف بحيرة قلبك وحوش الوقت. أن تشرق الشمس أخيراً ويختفي الضباب والبرد والصمت، أن تخرج من رام الله (الروح، الطفولة، الحلـم) إلى رام الله (الجسد، التجارة، الكذب، الأقنعة)، أن ترتخي أصابع كفيك عن رقبة الوقت، أن تعترف أخيراً بحزن أن هذا الجبار يستحيل خنقه. أن تذهب إلى كذبك اليومي، وسطحك الـمعذب، أن يذهب 1920 إلى نومه، هل ينام حقاً هذا الشخص أو هذه الفكرة أو هذه البلاد؟

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: