آراء

عن تنسيب المادة 308 من قانون العقوبات

ريما كتانة نزال

2018-03-18

في حُكْمٍ مُتَسرع وعشوائي، ذي صلة بمرور آمن للقوانين ذات الصلة بحياة بالمرأة، سأعتبر أن ما يستقيم أمره في الأردن، يستقيم مروره بالضرورة في فلسطين. ربما، أحكم بذات الروحية على لسان اعتبارات الحكومة في تنسيبها تعديل المادة 308 من قانون العقوبات رقم 16 عام 1960، الأردني بلد المنشأ، الفلسطيني كونه ساري المفعول. لولا ذاك لما كنا أمام هذا.. العلاقة التاريخية الفلسطينية الأردنية افتراض منطقي لتشابه الواقعين من حيث الثقافة السائدة. قَدَر المقاربات القانونية.
كان متوقعاً أن الدخان الأبيض المتصاعد من اجتماع مجلس النواب الأردني، بعد رفض المجلس التعديل والإلغاء، مراراً وتكراراً، أن يُحدث ارتدادات في فلسطين. فتح شهية المجتمع المدني النسوي الفلسطيني كما فتح شهيّة الجهات الحكومية ممثلة بالوزارات ذات العلاقة بعملية الإصلاح القانوني من زاويتها النسائية.
لذلك شهدنا حراكاً مشتركاً للمطالبة بإلغاء المادة 308 التي تنص على سقوط العقوبة عن مرتكب جريمة الاغتصاب حال زواجه بالضحية.
عشية الثامن من آذار؛ تَمَخَّض الحِراك المشترك عن تنسيب المادة للرئيس ومطالبته إصدار قرار بقانون بموجب المادة 43 من القانون الأساسي، ضمن صلاحيات الرئيس في حالة الطوارئ لإلغاء المادة، أسوة بما جرى في الأردن، من أجل وقف إفلات مرتكبي جرائم الاغتصاب من العقاب في حال زواج المُغْتصبين من ضحاياهم.
لغاية تاريخه، لم يُثمر الجهد الذي نسّب المادة الإشكالية بالنتيجة المتوخاة. فلم يصدر القرار بقانون ليستعيد القانون ما أعطى القضاء بأمر إلغاء المادة.. ويتناقل المهتمون أخباراً عن معارضة متنفذين لصدور القرار بقانون، معارضة ذات طبيعة أيديولوجية أصولية مختلطة مع المصالح، تنطلق من إمساك بصلاحيات المنصب ضمن مفاهيم ماضوية ضيقة ترفض تطوير مفهوم أصحاب الاختصاص، رغم الاتساع الموضوعي والمنطقي لنطاق المفهوم، خشية من مشاركتهم مهامهم أو سحبها. في حال وقوع الواقعة، ومرَّت الموافقة على التنسيب وتتوَّجت بصدور القرار المنتظر. 
إلغاء المادة 308 تعني حماية إنسانية الفتيات وكرامتهن وحقوقهن، وهي بذلك تتعاكس مع وجهة نظر تقود إلى حماية المُغْتَصِب وتهريبه من السجن، وإلى وضع الضحايا في سجن الاستغلال والذلّ. منح الجاني جائزة ترضية وزواجاً رخيص الثمن، لأن مجموعة من الذكور يتناقشون ويتباحثون ويحجمون حقوق النساء، متذرعين بستر الضحية ومنحها بيتاً وأسرة، بمعنى تجاهل حقيقة ساطعة أن تزويج المُغْتَصبات بمغتصبيهم لا يكوِّن أسرة ولا يبني بيتاً سليماً.
في الجهة المقابلة للحقيقة، نُلاحظ أن أصحاب القرار قد استحسنوا اللجوء إلى إقرار بعض البنود القانونية، على شكل رزم، بنداً وراء بند، تعديلات مجتزأة. في المعظم في إطار البحث عن إنجاز قد يؤدي إلى تغيير ما، أو لا يفعل، ضمن رؤية تكتيكية بعيدة عن الرؤية الإستراتيجية لمنظومة الحقوق وثقافتها وتأصيلها، رؤية من ينضم لاتفاقيات حقوقية دولية، قبل وصول عملية المواءمة الشاملة إلى طريق غير نافذة.
وتوخيَّاً للصراحة والوضوح ورؤية ما وراء التنسيب؛ لِنُلاحظ أن الجهات التي تقف خلف التنسيب هي الجهات الفاعلة التي يُفترض بها الوقوف خلف التمسك بعملية المواءمة، من يُفترض بهم التقدم برؤية شمولية لتحقيق المساواة، من يُفتَرض بهم التقدم بالسياسات والإجراءات اللازمة لتغيير الواقع، قَلْبهُ رأساً على عَقِب، من واقع زاوية حقوقية صفرية أو تكاد؛ باتجاه زاوية تبلغ انفراجتها مئة وثمانون درجة، مدّ النظر على استقامته نحو المستقبل بثبات، بعيداً عن التخوفات المعهودة.
لا شك في أن إيقاد شمعة يقف خلف ذهنية الجهات التي تقسِّط المطالب، أو تنسيب بنود بقرارات قانونية، لكن بصيص شمعة منفردة وسط هذا الظلام الفلسطيني الدامس، لا يفيد كثيراً ضمن الواقع الوطني والاجتماعي. بل يهدد مآلات الإصلاح القانوني الناجز ويهدد بانقسام بين المربع الذي يضم الحلفاء مع ملاحظة تنوع وتدرج منطلقاتهم والآليات المستخدمة من قبلهم، والأصح أن نتوجه نحو المسارعة إلى خوض نقاش صحي مجتمعي يُهَيّئ المناخ الاجتماعي والقانوني ورفع الوعي الجمعي.
الخشية من ذهنية الأقساط وإصابة بعض النقاط، أن على المرأة التفكير على قدر حجمها، التفكير "بالمايكرو"، المشاريع الصغيرة، كمخلوق ضعيف مُتَعثِّر، أحياناً هش أو شيطاني وشرير مطلوب حمايته من نفسه، عليه إثبات أهليته وتقديم البُرهان، موضوع تحت مجهر وخاضع للاختبارات. 
لا شكوك بصدق نوايا تنسيب البند 308 للحصول على قرار بقانون الإلغاء، نوايا تقديم الرُزم، كون إقرارهم يمكن أن يشكل توطئة أمام إقرار القوانين مستقبلاً، في وقت اللعب على تعطيل أعمال المجلس التشريعي. لكن الأساس الذهني للاعتراض عليه: أن الإصلاح القانوني ينبغي أن يؤدي إلى تفكيك البنى الثقافية والنمطية المنتجة للثقافة العشائرية من جذورها بواسطة السياسات، وأن يؤدي إلى وقف ذهنية عقد الصفقات الاجتماعية والمقايضات على حساب النساء. وهو ما تعرضت له لجنة "سيداو" ضمن قائمة الأسئلة الموجهة للحكومة.
وللنقاش حول حقوق المرأة لجهة كرامتها الإنسانية دائماً بقية.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: