آراء

بطل مفعول سؤال: أنت مع أي فاشية؟

مهند عبد الحميد

2018-03-13

الموت يحل بأرض الغوطة هذه الأيام، ملحقا أفدح الخسائر بالمدنيين السوريين، الذين يستخدمون وقودا لحرب تقاسم النفوذ، كما استخدمت حلب ودير الزور وحمص والزبداني ودرعا وغيرها.
معارك اليوم كما معارك الأمس، لم تبق للشعب السوري وطنا ودولة ولا حقوقا إنسانية، فلا يهم أقطاب الصراع الدوليين والإقليميين فيما إذا خسر الشعب السوري او كسب وتغيرت أحواله للأحسن، ما يهمهم هو تكبير حصصهم او الاحتفاظ بها فقط لا غير، وليذهب الشعب السوري الى الجحيم.
الجديد في الصراع على سورية هو اللامبالاة أمام موت السوريين، خلافا للاهتمام السابق الذي كان يوظف لإضعاف بعضهم البعض، كما حدث بعد استخدام الغاز الذي وُظف لتقوية نفوذ القطب الأميركي مثلا.
بالأمس، كان لسان حالهم يقول، استخدام الغاز القاتل خط احمر، ولكن لا مانع من قتل السوريين بالبراميل والصواريخ وكل أنواع الأسلحة، اليوم، تغير الموقف من اعتبار الغاز خطا احمر الى «عدم تحبيذ» استخدام الغاز القاتل، ولا يغير من هذه الحقيقة «تهديد من يستخدمه بأوخم العواقب»، لكن هذه أقوال بلا أفعال، او كما توعد الرئيس الفرنسي ماكرون، بالرد إذا ما تأكد بشكل قاطع وبالدليل استخدام الغاز، ولما كان التأكد عبر التحقيق غير ممكن فسيصار الى تسجيل تهمة استخدام الغاز القاتل ضد مجهول، وفي الوقت ذاته يُنظر الى استخدام القاذفات الاستراتيجية الروسية وقوتها التدميرية القصوى ضد المدنيين كسلوك اعتيادي. 
اليوم، في الغوطة وبالأمس، في كل المدن والبلدات السورية سقط النظام الدولي شر سقوط، وهو يعجز طوال 7 سنوات عن تأمين الحماية ضد القتل والتدمير والتهجير الذي تعرض له ملايين السوريين، وهو عجز ترافق مع العجز في إيجاد حل سياسي يضع نهاية للحرب المدمرة،
قد يكون هذا الكلام مثاليا او رومانسيا في زمن التوحش الاقتصادي والسياسي الذي يخيم على عالمنا والذي بات يترجم في هذا النوع من حروب التوحش التي لا تقتصر على سورية، فاليمن أيضا يشاطر سورية المأساة في مجال التدمير والتشرد والموت، وفلسطين تتعرض لاستباحة الحقوق الوطنية والمدنية والإنسانية يوميا ومنذ عقود، والنظام الدولي الذي سمح باستباحة فلسطين وبموت وتشريد السوريين هو النظام ذاته الذي يغذي بمليارات الدولارات ترسانات السلاح التي تزيد من اشتعال الحرب في اليمن التي وقودها اليمنيون، ومؤخرا، حرصت الإمبريالية العجوز (بريطانيا) على إبرام الصفقات التجارية والعسكرية بقيمة 90 مليار دولار دون ان تكترث او تأخذ بالاعتبار وقف الحرب ووقف موت اليمنيين جوعا ومرضا وقصفا.
كانوا يشعلون الحروب ويخمدونها، الآن يشعلون الحروب ويزيدونها اشتعالا لطالما كانت تغذي مصالحهم، أصبح لا معنى ولا قيمة لقرارات مجلس الأمن كقرار 2401 الذي يدعو الى هدنة إنسانية وفتح ممرات لإيصال المساعدات الإنسانية للمنكوبين في الغوطة، وكانت قرارات مجلس الأمن 2042، 2043، 2254، قد فقدت أي معنى او قيمة لها وذهبت أدراج الرياح، كان مصير قرارات مجلس الأمن الخاصة بسورية مصير قرارات مجلس الأمن الخاصة بفلسطين وبخاصة قرار 2334 الذي اعتبر الاستيطان وكل تغيير في الأراضي المحتلة بما فيها القدس غير شرعي، كان مصيرها العدم واعتمدت سياسات نقيضة لها من قبل روسيا التي استبدلت الحل السلمي بالحل العسكري التدميري. وكان مصيرها العدم واعتمدت سياسات نقيضة كتعميق الاحتلال والضم وتصفية قضية اللاجئين – جوهر القضية الوطنية - وضم القدس من قبل الولايات المتحدة. 
تحولت روسيا الى لاعب رئيسي في الحرب والتفاوض وأصبحت حرة في تدخلها العسكري وفي قلب المعادلات على الأرض، وأصبحت إسرائيل اكثر حرية في تفكيك مقومات الوجود الفلسطيني في وطنه، لكن روسيا عجزت عن وقف الحرب وإيجاد حل سياسي في سوتشي بمثل ما عجزت الولايات المتحدة في فرض حل سياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. 
في سورية، حدث إخفاق متبادل أميركي روسي، لم ينجح كل طرف في فرض حل بموافقة الآخر، واستبدل الحل بمحاولة كل طرف تثبيت وتعزيز مناطق  نفوذه، أميركا أعلنت عبر وزير خارجيتها بأنها ستحتفظ بوجود عسكري لها شرق سورية، لتحجيم النفوذ الإيراني وإخلاء سورية من كل أسلحة الدمار الشامل، وإيجاد حل سياسي وعودة اللاجئين ومنع عودة «داعش»، وروسيا فتحت معركة الغوطة لتنظيف منطقة نفوذها، وإيران تعزز سيطرتها وتركيا فتحت معركة عفرين ضد الأكراد، استخدمت المعارضة في تعزيز نفوذ أميركي وإقليمي، واستخدم الأكراد للغرض ذاته، واستخدم النظام وشعار حماية الدولة السورية، استخدم كل ذلك من اجل تعزيز نفوذ روسيا وأميركا وتركيا وإيران في سورية ومن اجل تثبيت مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية، وكانت اليافطة المشتركة للجميع (الحرب ضد «داعش») التي استخدمت كل الوقت في إعادة بناء النفوذ وعلاقات التبعية.
المشكلة تكمن في تدمير المعارضة المستقلة الديمقراطية عنوانا للاستقطاب السوري الداخلي ولحلفاء الشعب السوري الحقيقيين من قوى وشعوب عربية وصديقة، اصطفاف المعارضة المستأنسة والمدعومة من الأميركان وإسرائيل والحلف العربي الرجعي كقطب واحد او مع أجزاء منه، كان الوصفة السحرية للقضاء التام على مصداقيتها، مقابل ذلك فإن الاصطفاف مع روسيا وإيران والمليشيات الطائفية على قاعدة تثبيت سلطة مستبدة دموية لا يمكن للعقل الطبيعي ان يقبل به من منطلقات وطنية وديمقراطية وإنسانية، ولا يصلح للاستقطاب داخل سورية وخارجها، جاء اختبار المشكلة في حرب الغوطة الأخيرة اكثر حساسية وحراجة للاستقطاب، فعندما يكون المرء ضد قتل المدنيين وتدمير بيوتهم وترويعهم لا يعني ان يكون مع الاصطفاف في خندق  الفاشية الأصولية المسيطرة عليهم والتي قد يكون لها نفوذ في أوساطهم، وكتحصيل حاصل لا يكون مع القوى الإقليمية والدولية التي تدعمهم بالسلاح والمال والإعلام.
عندما تكون مع الشعب والمناضلين المستقلين والديمقراطيين فقط لا غير فانت في المكان الطبيعي الجدير بإنسان. وفي الجهة الأخرى فلا يعقل ان يذهب المرء الى الاصطفاف مع فاشية أخرى روسية إيرانية ومحلية ترتكب مجازر بشعة لمجرد ان أميركا وإسرائيل ودول البترودولار في الطرف الآخر، ولمجرد وجود فاشية إسلامية تخوض الحرب ضد النظام، فكما لا يجوز اختصار الشعب السوري بمسميات الأطراف المسيطرة عليه، لا يجوز اعتماد قطبي ثنائية سوداء، للأسف مضى على الحرب 7 سنوات وما زال هذا اللغز يفعل فعله ما يشي بقصور في المفاهيم والمعايير والمبادئ.
لقد بطل مفعول سؤال: انت مع أي فاشية؟ وعندما يسود سؤال: انت مع الشعب او مع الفاشية؟ سيكون ذلك اكبر دعم للشعب السوري!
Mohanned_t@yahoo.com
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: