آراء

عن مقايضة عفرين بالغوطة الشرقية

عبير بشير

2018-03-13

تستمر المفرمة السورية في سرد تفاصيلها اليومية في الغوطة وإدلب وعفرين، تحت مسميات واحدة وهي تحرير سورية من الإرهاب. وقابل الصمت الروسي عن العملية العسكرية التركية في عفرين ومحيطها، الصمت التركي عن القصف الروسي الوحشي للغوطة والعمليات العسكرية لقوى النظام فيها.
ولا تزال المرارة عالقة في حلق موسكو من فشل مؤتمر سوتشي، والتطورات التي سبقته ولحقته، الأمر الذي انعكس على إصرارها على تصفية محيط دمشق من المعارضة السورية المسلحة سواء المصنفة إرهابية أو غير إرهابية. وتتقاطع مصلحة موسكو مع مصلحة النظام السوري وطهران في التخلص من هذه الفصائل المسلحة، وذلك لضمان حماية دمشق من أي احتمال لتحريك هذه الفصائل في اتجاه العاصمة، وتعميق التغيير الديموغرافي في محيطها عبر تهجير أهلها. ويبقى استكمال عملية إخراج النفوذ العربي من المعادلة السورية بشكل نهائي، هدفا مركزيا آخر تسعى الأطراف المنخرطة في الهجوم على الغوطة لتحقيقه. ففصائل المعارضة الرئيسة في الغوطة هي في الأساس قامت على الدعم العربي، وتصفية هذه الفصائل غير المصنفة إرهابية يعني استكمال إنهاء الوجود العربي الميداني بالوكالة على الأرض السورية، بعد إنهائه في مدينة حلب وغيرها من المدن السورية..
وفي واقع الأمر فإن الحضور العربي في سورية تراجع إلى مستويات قياسية وأخذ مسارا انحداريا واضحا منذ الافتراق العربي التركي في الأهداف في سورية، واصطفاف أنقرة في مسار أستانة مع موسكو وطهران ضمن المحور الروسي والتي تقاطعت مصالحهم المتعارضة ضد  الوجود الأميركي في سورية، وما نتج عنه التحول في دور تركيا من راعية وداعمة للفصائل المعارضة المسلحة ضد النظام السوري، إلى التخلي عن هذه الفصائل، والتدخل المباشر لقواتها داخل الأراضي السورية، تحت راية محاربة الأكراد وحماية أمنها القومي. وقد انعكس هذا الانكفاء العربي بعد معركة حلب على استبعاد المشاركة العربية في مسار آستانة الذي أراده تحالف موسكو-أنقرة-طهران، وسيلة لتقاسم النفوذ في الملعب السوري.
ومنذ بداية العملية العسكرية في الغوطة الشرقية، استغل الجيش السوري طبيعة الأراضي الزراعية المفتوحة، والكثافة النيرانية الجوية- والمدفعية، للتقدّم والتفوّق على المسلحين. وسيطرت قوات النظام والميليشيات الإيرانية على العديد من التلال والمرتفعات في الغوطة التي منحتها الأفضلية من حيث الرصد والسيطرة النارية، وسقطت في يدها العديد من البلدات والمراكز، ويغري التقدم السريع لقوات النظام في الغوطة القيادة الروسية والسورية من أجل حسم ملف الغوطة وإغلاقه.
 وتتصاعد المؤشرات لتوجه موسكو لإدخال تكتيكات جديدة على تحركاتها العسكرية في سورية، لمواجهة التهديدات الأميركية، حيث أن لدى موسكو معطيات تدل على مساع أميركية لتعقيد الموقف أكثر في سورية أمام موسكو والتشويش على إنجازاتها وحرمانها من استخدام الوضع الميداني الذي نشأ نتيجة نجاح بعض العمليات العسكرية، لوضع ترتيبات سياسية على مقاسها.
 وتعكس الاتهامات الروسية المتواصلة لواشنطن بدعم الإرهابيين في سورية قناعة لدى موسكو بأن الأميركيين بدؤوا منذ فترة تحركات على مستوى واسع لعرقلة أي تقدم يمكن أن تحرزه موسكو في الملف السوري، بما في ذلك قيام واشنطن بتأسيس مجموعات مسلحة صغيرة، غير مرتبطة ببعض لتنفيذ عمليات خاصة في مواقع مختلفة. ولذلك كان الرد الروسي عبر إرسال موسكو مؤخراً تعزيزات عسكرية جوية وبحرية إلى سورية، كانت قد سحبتها العام الماضي عندما أعلنت انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية. كما سمحت موسكو بإرسال دفعات جديدة من المرتزقة الروس للقتال بجانب قوات النظام، ويمكن اعتبار معركة الغوطة الشرقية جزءا من لعبة التوازنات وتقاسم النفوذ على الأراضي السورية بين الولايات المتحدة وروسيا.
وبالنسبة لمعركة عفرين، تدرك القيادة التركية، أن معركة عفرين لن تكون الأخيرة لها في سورية، ولن تنهي قضية أنقرة الوجودية، وهي منع إمكانية بروز كيان كردي ملاصق لها. ومدينة عفرين ضمن هذا التصور، لا تُشكل سوى خمسة بالمائة من المناطق التي يُسيطر عليها الأكراد، حيث تُهيمن  قوات سورية الديمقراطية الكردية بالتعاون مع واشنطن على ربع مساحة سورية. وترى تُركيا في معركة عفرين، مُقدمة لما يُمكن أن تؤول إليه الأمور في الحسكة والرقة ودير الزور.
وبدوره، فإن النِظام السوري يعتبر ما يجري في عفرين أيضا –بروفة - لما يُمكن أن يرسم عليه إستراتيجيته المُستقبلية في كامل مناطق الشمال السوري، الخارجة عن سيطرته مُنذ أكثر من خمسة أعوام. ويسعى النظام السوري أيضا لمعرفة  حقيقة العلاقة بين الولايات المُتحدة وقوات سورية الديموقراطية، وهي تُعتبرُ اختباراً شاملاً للمشروع الأميركي في الشمال السوري.
غير أن التنظيم العسكري الكردي الموجود في عفرين- وحدات حماية الشعب- يختلف عن التنظيم العسكري الكردي شرق الفرات- قوات سورية الديمقراطية – التي تتألف من تحالف عسكري من عدد من التنظيمات الكُردية وغير الكُردية، وإن كانت وحدات حماية الشعب عمودها الفقري، وهذا ليس مُجرد فارق في مستويات التسلح والتدريب، بقدر ما هو فارق في التزام الولايات المتحدة بحماية هذه القوات الكردية.
وقبل بدء التعاون الأميركي مع الوحدات الكردية في سورية، كان النظام السوري وطهران والحرس الثوري من أبرز حلفاء المقاتلين الأكراد، ووصل هذا التعاون إلى درجة أن نظام الأسد سلم بعض المناطق إلى الوحدات بدلا من أن تقع في يد المعارضة السورية. كما لعبت الوحدات دوراً مهماً في إيصال الإمدادات العسكرية إلى الميليشيات الإيرانية في نبل والزهراء في معركة حلب.
غير أن عمق واتساع التنسيق بين الأكراد والولايات المتحدة، جعل هناك افتراقاً واضحاً بين الاجندة الكردية وأجندة النظام السوري.
وفي معركة عفرين، أرادت دمشق العودة إلى عفرين سواء فعلياً أو رمزياً، لكن موسكو رفضت، لأن التفاهمات مع أنقرة أكبر بكثير من عفرين بحسب قول مسؤول روسي. وحين أرسلت دمشق قوات رديفة إلى عفرين وريفها بعد اتفاقها مع «الوحدات الكردية» أبلغ قائد المركز الروسي في حميميم الوحدات الكردية والجيش السوري، بأن موسكو لن تدعم الاتفاق بينهما، وحذرهما من أن تنفيذ هذا الاتفاق خطوة خطرة جداً، وبالفعل قد تعرضت القوات الرديفة للحكومة السورية لقصف مدفعي عنيف حينما حاولت الاقتراب من عفرين، وكان ذلك بمثابة ترجمة عملية لما سمعه الأكراد في الاجتماعات المغلقة مع الطرف الروسي قبيل بدء عملية «غضن الزيتون» من أن لأنقرة الحق في الدفاع عن أمنها القومي، وأن القوات الروسية لن تعرقل هجوم الطائرات التركية على عفرين.
وتتحرك موسكو من اجل التنسيق بين القوات التركية الموجودة على مشارف عفرين، وقوات النظام السوري الموجودة أيضا بالقرب من المدينة، حيث قام مسؤول عسكري روسي كبير بزيارة عملاتية غير معلنة إلى دمشق، حاملاً رسالة من الرئيس فلاديمير بوتين إلى بشار الأسد، تحدد له نقاط انتشار قواته والمليشيات الإيرانية شمال البلاد بالقرب من أعزاز وتل رفعت ونبل والزهراء على ألا تقترب هذه النقاط من عفرين والتي قضت التفاهمات بين موسكو وأنقرة بأن تكون المدينة تحت سيطرة الجيش التركي وفصائل سورية معارضة تدعمها أنقرة، وكذلك جرى الاتفاق على مواصلة عملية غصن الزيتون لربط مناطق درع الفرات بين حلب وجرابلس ومناطق إدلب. ونتيجة لهذه التفاهمات سيطرت القوات التركية وفصائل من الجيش السوري الحر الموالي لها بشكل سريع على سبع قرى جديدة في محيط مدينة عفرين، كما باتت تحاصر المدينة من ثلاثة جهات، وعلى بعد مسافة قريبة من وسط المدينة. وتسعى تركيا عبر استئناف عملية درع الفرات إلى توسيع نفوذها في الساحة السورية لتكون الثالثة من حيث المساحة بعد منطقة النفوذ الأميركي شرق الفرات وجنوب سورية البالغة ثلث مساحة سورية، فيما تحتل قوات النظام وروسيا وإيران المركز الأول بعد سيطرتها على نصف مساحة البلاد- سورية المفيدة-.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: