"الخائفون" لديمة ونوس .. "كنت في الرابعة عشرة، وما زلت"!

2018-03-13

كتبت بديعة زيدان:

"كنت في الرابعة عشرة، وما زلت" .. عبارة كررتها الروائية السورية ديمة ونوس، في روايتها "الخائفون" الصادرة عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت، والمرشحة للمنافسة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لهذا العام، من بين ست روايات وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة، وهي رواية غلبت عليها الأسئلة، التي يبدو أنها انعكاس لحالة اللايقين التي تعيشها سورية منذ سنوات "ما بعد الثورة".

في الرابعة عشرة من عمرها، توفي والد الشخصية الرئيسة في الرواية، والتي تتراوح ما بين سلمى وسليمى، في رواية "توهان" تعكس حالة التيه التي يعيشها السوري، فلا يمكن الفصل بينهما، كما لا يمكن الفصل بين الواقع والمتخيل في الرواية التي هي انعكاس لعقود من الحياة في سورية، حتى إنه يمكن إسقاط الكثير من تفاصيل الرواية على ونوس نفسها.

الشخصية المحورية منقمسة ما بين اثنتين يفصل بينهما حرف "الياء"، إحداهما هي الراوية، والأخرى مخلوقة شكلتها "أوراق نسيم"، الذي التقت به في عيادة الطبيب النفساني "كميل"، والذي يعالجها منذ ما بعد رحيل والدها واختطاف شقيقها في وقت لاحق، ما يتسبب في تشتت القارئ أيضاً، كجزء من شتات الواقع المعيش في بلاد لا تزال تعيش عذابات يومية بيد أهلها الذين "يخافون من الخوف"، وبيد غير أهلها أيضاً .. و"أرواق نسيم" شكلت عنواناً تكرر في فصول عدة داخل الرواية.

في الرواية ثمة الكثير من الخائفين، من بينهم "نسيم"، الطبيب الذي يعاني اضطرابات نفسية، وتتعرف إليه سلمى أو سليمى، وهما توأمان لا نعرف أيأ منهما سر أبية، وكأنها حالة "الشيزوفرينيا" التي تعيشها البلد، ليس فقط منذ "الثورة" بل منذ عقود .. و"نسيم" هذا يرحل إلى ألمانيا تاركاً مفتاح بيته وفيه أوراقه وحاجياته الخاصة داخله لحبيبته التي التقاها في عيادة الطبيب النفساني "كميل"، الذي يتحول مع الوقت إلى مضطرب نفسياً كباقي السوريين الذي يعانون ويلات الحرب المستمرة.

في أوراق "نسيم" تكتشف "سلمى" أنه اختط يومياتها، بإضافة "ياء" إلى اسمها، وهو ما جعلها في حالة "فصام"، تعيشه ويعيشه القارئ معها حتى ما بعد الانتهاء من الرواية، فلا تعرف هي من هي بينهما.

"ها هو نسيم يسرق قصص والدي وطفولتنا الخائفة ويلبسها لشخصيته. لو قلت له، لادعى أنني وأسرتي لسنا سوى أربعة من أصل 23 مليون سوري خائفين.

أو سيقول لي ببساطة إنه هو أيضاً شخص خائف يتخفّى وراء اسم مستعار. سيقول لي إنه فقد عائلته كما فقدت أم مالك زوجها.

لقد أصبحنا قصة واحدة. كما كنّا عن بعضنا بعضاً، في المدرسة وفي البيوت وفي الشوارع وفي صالات السينما القليلة الموجودة في دمشق وفي المسارح وفي الدوائر الحكومية .. ها نحن نصير قصة واحدة، نسخاً مريضة عن بعضنا بعضاً".

ويكاد القارئ يجزم أن ديمة ونوس، وفي سردها لحالة الفقد الجماعي، ولشعورها بالغياب العميق لوالدها منذ كانت في سن الرابعة عشرة، تتحدث عن والدها الكاتب والمسرحي المعروف سعد الله ونوس، وهذا يمكن استنتاجه في أكثر من فقرة، منها "... كنت أنا ظلّه في البيت. لكنه ظلّ لصيق لا يتقدم خطوة ولا يتراجع. ولا أذكر أنني فعلت شيئاً آخر في طفولتي غير الالتصاق به، وتأمله، والاستماع إلى أنفاسه، والتقاط نظرته ومحاولة تفسيرها. حفظته، وصرت أعرف ما سيقول قبل أن ينطق. لم يكن ذلك صعباً. ثمة ذاكرة مشتركة عشناها سوية بتواطؤ حزين. ثمة صراحة مرهقة. كل الأحاديث مسموحة. لا حدود تؤطر أي فكرة من الأفكار. لا وجود للمحرمات ولا لفكرة الخطأ والصواب. لا وجود للمطلق. وكل الأفكار تخضع لنقاش مستفيض لا ينتهي".

وفي موقع آخر .. "البيت كان بالنسبة إليّ هو غرفة نوم والدي المحاذية لغرفتي، حيث أمضي معظم وقتي على حافة السرير أو متمددة بالقرب منه. وكان أيضاً باب شرفة المطبخ الصغيرة جداً، التي أتلصص من خلالها على سيارات الأجرة، علّ واحدة منها تحمل أمي التي كانت تتغيب لساعات طويلة متنقلة بين عيادات الأطباء والمختبرات الطبية والبذورية، لتتبضع بكل ما شأنه رفع المناعة ...".

الأب في الرواية علوي، كما هو سعد الله ونوس، والأم في الرواية سنيّة، وهو، أي الأب كاتب أيضاً، وهو ما تكشفه عندما يصر رجال الأمن عند أحد الحواجز، على أن والدها الكاتب "مطلوب للاعتقال"، رغم إصرارها على رحيله منذ خمسة عشر عاماً، وهو العمر الحقيقي لديمة حين توفي والدها، ولا أعلم إن كانت هذه الحادثة حقيقية أم متخيلة، فالرواية برمتها، وإن كانت مبنية من وحي سيرة عائلة ونوس في جزء منها، أو هكذا يمكن الاستنتاج، إلا أنها ملتبسة تماماً كالتباس الأوضاع في سورية.

وديمة ونوس التي أثارت النظام الرسمي في سورية بقرارها ووالدتها فايزة أو فائزة نقل 4500 كتاب هي جل كتب والدها إلى مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، بعد رحيله، حتى إنها اتهمت بأنها "جاحدة"، ولا تزال تثيره بهجومها العلني عليه وإدانتها لـ"جرائمه"، لم تغفل ذكر المكتبة في "الخائفون"، حيث قالت وحيدة سعد الله ونوس على لسان الشخصية الرئيسة في روايتها الجديدة: "لم يترك لي بابا عائلة قبل رحيله. كان هو العائلة بأكملها، ورحل. ترك لي أمه، وبيت طفولته، والكثير الكثير من الكتب والأوراق ودفاتر مذكرات وصوراً وأقلاماً".

والخوف الذي يلازمها كما الكثير من السوريين، لا يقتصر على الواقع المعيش، بل هو خوف يعود إلى عقود، فالراوية تستعيد حالة الخوف التي كانت تعيشها في ظل نظام الأسد الأب، ومن ثم الأسد الابن، حين سردت حكاياتها في المدرسة التي "كانت ذلك المكان الذي يختبر فيه الطلاب أنواع الحياة في بلد كسورية الأسد. المكان الذي يدجّنون فيه، ويتعلمون تلقي الإهانة بصمت، ويدربّون على الطاعة، وعلى احترام القوي والمتسلط"، دون أن تنسى حين شدّتها ابنة أحد المسؤولين من شعرها، بل وصفعتها على وجهها، لتكرر "انتظار الخوف أصعب من الخوف".

وعن "الخائفون" قالت ونوس في حوار متلفز حديث معها: الرواية تتحدث عن الخوف في سورية، ويمكن أن ينطبق على بلدان أخرى تعيش شعوبها في ظل أنظمة قمعية .. الرواية تتحدث عن آخر أربعين عاماً في سورية تحت حكم حزب البعث وعائلة واحدة، فكل جيلي خلق وكبر تحت حكم رئيس واحد ورثه ابنه بشار الأسد .. الخوف في سورية شيء أساسي، لذلك أحببت أن أكتب عن خوفي، وعن خوف المحيطين بي، وعن الخوف الذي عاشه بلدي على مدار عقود .. الرواية تتمحور حول ثلاث شخصيات، ولكن الخوف هو البطل فيها، مشددة على أن الرواية تعتمد على الخيال والتخييل بالأساس، وليس على التقاطعات مع سيرتها الذاتية، مع اعترافها بصعوبة فصل التجربة الذاتية للكاتب عما يكتبه، وبصعوبة إلغاء التجارب التي عاشها ويعايشها من ذاكرته.

واستطاعت ونوس اللعب ببراعة في التنقل عبر الزمن، وما بين الأمكنة أيضاً، وحتى بين الشخوص، فالاستراحات كانت بمثابة محطات تعبئة وقود في طريق طويلة من الذاكرة .. كانت مهمة جداً للقارئ لتعبئة ذهنه بشيء من "البنزين" أو "السولار"، واحتساء بعض المشروبات الساخنة أو الباردة، أو حتى إلقاء القبض على سيجارة قبل نقلها إلى معتقل ما بين الشفاه، وإشعالها حتى آخر "دخنة" فيها، ومن ثم تدور الدواليب لإكمال الرحلة مع سلمى وسليمى، وسورية الخوف، والسوريين الخائفين التائهين حد الجنون، في رحلة البحث عن الهوية، والتي يختصرها مشهد بحث واحدة من السلميين عن الأخرى في بيروت، دون أن تعرف من هي بينهما، وحين تلمح "نفسها" في مقهى هناك، ترفض الأخرى، وهي نفسها الثانية، الاستجابة إلى نداءاتها وترحل الثانية إلى المجهول، فيما الأولى تعود إلى أمها ودمشقها، فديمة ونوس كما الكثير من الخائفين السوريين لا تزال تبحث عن نفسها، وعن وطنها بين ركام ذاكرة، وصرخات حاضر، ومستقبل ضبابي.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: