سيف الرحبي في أعماله الشعرية .. حكايات وحيوات في قصائد وسرد

2018-03-13

كتبت بديعة زيدان:

"كانت البلاد غارقة في مياه الأسلاف والنأي عن العصر ومصباته وعواصفه.. ربما كتبت أول قصيدة بنظام مغلق في كهوف السلف ولغته، لأن أي خروج عنه مروق وإلحاد، وما زال أصحاب هذا الرأي الظلامي عند رأيهم حتى لحظتنا الراهنة، وبشكل أكثر عنفاً وتطرفاً ولا عقلانية. لكن ما ظل يطاردني لاحقاً، بجانب التكوين الشعري الكلاسيكي، الذي لا أشك في الإفادة منه، هو تلك القصيدة العنيفة التي يكتبها المكان نفسه بغموضه وموته، وكيف تنبجس الحياة الشحيحة من مخالب ذلك الموت القاسي ذي الحضور الكلي. كانت الجنازة اللامرئية في رأسي بحجم ذلك الفراغ الذي يتدفق فيه الزمن كثيفاً وحاداً، محاطة بجوقات الناديات والمنشدين".

بهذه العبارات روى الشاعر العُماني سيف الرحبي، شيئاً من سيرته الذاتية، والتي ضمنها الطبعة الأولى من "الأعمال الشعرية"، الصادرة عن "رياض الريس للكتب والنشر".

الرحبي، أطلق المجموعة المكونة من ثلاثة أجزاء في ثلاثة بورتريهات رسمت على أغلفتها تعكس التحولات الزمنية له، في معرض مسقط الدولي للكتاب، بالتحديد في ركن جائزة السلطان قابوس، وهي الجائزة التي صدرت "الأعمال الشعرية" لواحد من أبرز القامات الشعرية العُمانية في العصر الحديث، وكان حاز عليها في العام 2013.

سيرة الرحبي الذاتية سطّرها بقلمه في لمحات سردية تزيّن أشعاره الممتدة على مدار عقود.. أشعاره التي نجت ولا تزال من أي بوادر لشيخوخة مبكرة، أو غير مبكرة، فالكلمات والصور والمجازات لا تزال في قمة ألقها، لشاعر صاحب تجربة مغايرة.

تحدث الرحبي عن "الجو القاهري" وعن "الجو الطلابي" الذي ابتلعته السياسة على اتجاهاتها اليسارية ذات الطليعة الفلسطينية، وعن ولوجه بوابة القراءة للأدب الحديث برموزه وروّاده ووجهاته المختلفة عربياً وغير عربي، منطلقاً من "البوابة القاهرية".

اعترف الرحبي في سيرته المختصرة: قرأت شعراء التجديد الأوائل في مرحلة الحداثة الشعرية العربية من السياب وقباني وأدونيس والخال وعبد الصبور، إلى محمود درويش .. في الطور الثاني من عمري، وفي أواخر السبعينيات والثمانينيات، شهدت نوع ذلك الارتجاج في سياق الكتابة العربية الذي أنتمي إلى زمنه هذا، لافتاً إلى أن "الشعر الجديد صار يميل نحو النقصان والتفاصيل والأجزاء، وهي سمات لم نعدمها في المرحلة السابقة، ولم يكن وضعها في مقابلة ثنائية مع ما اصطلح على تسميته شعر القضايا الكبرى أو الكلية وضعاً موفقاً".

شعراً، يرصد الجزء الأول بقصائده مرحلة البدايات منذ مجموعة "نورسة الجنون" الصادرة عن دار الجرمق في دمشق العام 1981، انتهاء بـ"يد من آخر العالم" الصادرة في بيروت العام 1998 الصادرة عن دار المدى، مروراً بـ"قصائد لأميرة الخرائب ذات الأحداق الوثنية"، و"رأس المسافر"، و"مدينة واحدة لا تكفي لذبح عصفور"، و"رجل في الربع الخالي"، و"جبال"، و"هذيان الجبال والسحرة".

الرحبي يرى أن "اللغة مهما كانت محملة بتاريخها الطويل وتراكماتها، ليست ممارسة قبلية ومعطاة سلفاً"، مشدداً على أن "النقض الشعري والأدبي لما هو سائد لا يرتبط بمشاريع وتكتيكات تطبع مرحلة بعينها، بل هو حاجة داخلية صميمية، بمثابة الدافعة الوجودية للكتابة".

الجزء الثاني من "الأعمال الشعرية" عبارة عن مختارات من مجموعات شعرية متعددة تختتم بقصيدة "بعصا الأعمى في ظلام الظهيرة" من مجموعة "الجندي الذي رأى الطائر في نومه" الصادرة عن دار الجمل العام 2000، سبقها قصيدة "البحيرة المسحورة التي غرقت فيها أخيراً"، وأخرى تحمل اسم المجموعة، والأمر ذاته يحدث مع مجموعة "مقبرة السّلالة" الصادرة عن ذات الدار بعد سابقتها بثلاثة أعوام، ومما نشر من قصائدها "الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة"، و"الديكة وحدها تحاول إنقاذ المشهد وتعيد مياهاً بعيدة في الذاكرة. وتحت عنوان "قطارات بولاق الدكرور" تتجمع قصائد: "على حد الصيف عن البراكين والموتى والحيوانات"، "نجمة البدو الرحل.. أو القاهرة"، و"منازل وأصدقاء".

والكتابة بالنسبة للشاعر الرحبي "ليست لعباً لفظاً ولا صوراً بهلوانية تتوسل الإدهاش البرّاني لإخفاء فقرها الدلالي والروحي. إنها لعب أكثر عمقاً وجمالاً، إنها الإقامة في حدود القسوة والموت".. فيقول: نحاول أن نكتب من غير خطط ولا مشاريع، ربما لأن الأعمى يجلي وضوحه وسط ظلامه الخاص.

وما بين العامين 2007 و2014 تتراوح نصوص الجزء الثالث من "الأعمال الشعرية"، تحديداً من ثلاث مجموعات هي: "سألقي التحية على قراصنة ينتظرون الإعصار"، و"نصوص مفتوحة رسائل في الشوق والفراغ"، و"سناجل الشرق الأقصى.. الجزر الآسيوية".

وكان لافتاً في كل من الأجزاء الثلاثة، اختتام كل منها بـ"مقتطفات من دراسات وكتابات عن الشاعر"، فالشاعر المصري فاروق شوشة كتب ذات مرة: "يكتب سيف الرحبي قصيدة النثر، ساكباً فيها وهج شاعريته وحصيلة خبراته الوجودية واللغوية"، في حين أشار د. حسام الخطيب إلى أن "حصيلة الشاعر العُماني سيف الرحبي تقدم تجربة فريدة في باب الرؤية الشعرية، تسمح للمرء بأن يصنفه في خانة شعراء الرؤى المتماسكة على المستوى العربي، وربما العالمي إلى حد ما".

وبينما يرى يوسف الخال أن "حداثة سيف الرحبي ليست حادثة افتعال، ولو كانت كذلك فلا يستحق دمعة حبر، إنها انفجار الوعي والحساسية الجديدة في تعبيرهما عن شقاء الإنسان في غربته ومنفاه. تقرأ ذلك في لغة شعرية متميزة، وسط فوضى الهويات الشعرية السائدة"، يصفه الشاعر والناقد اليمني عبد العزيز المقالح بـ"المغامر المسافر في دنيا الإبداع منذ عقود، لا يكل ولا يمل ولا يستريح سعياً وراء فك أسرار هذا العالم الذي يعيش واقعه فقط، ويحاول الشعراء الوصول إلى نقيضه المتخيل والبديل". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: