"جهة الشعر" .. نعي أشبه بإغلاق تلفاز أو محطة إذاعية !

2018-03-13

كتب يوسف الشايب:

يبدو أن إيمان الشاعر البحريني قاسم حداد بأهمية التعامل مع شبكة الانترنت بصفتها طريقة للاتصال الإنساني وليست وسيلة للانتشار الإعلامي، لم يسعفه دون أن ينشر ما يشبه النعي لـ"جهة الشعر" بدلاً من نص جديد، أو حوارية، أو ترجمة، أو تعريف بهذا الشاعر أو ذالك، فالموقع الشعري الذي تحول مع الوقت إلى مرجع عالمي، أعلن أنه "سوف يتوقف عن البث" في عمر الثانية والعشرين، وكأنه تلفاز أو محطة إذاعية، فهو لم يعلن انه سيحتجب، المصطلح المرافق لإغلاق المواقع الإلكترونية، ولم يقفل أو يتوقف كما في حالة المطبوعات من صحف أو مجلات، أو تلك التي تدور في فلك المطبوع كدور النشر والمكتبات والمطابع وغيرها.

وأرجع حداد، في رسالة نشرها على الموقع، قرار إغلاق الموقع إلى الظروف المادية، وعدم توفر الدعم المالي، وهو أمر تعانيه الكثير من المواقع الثقافية في الوطن العربي، حيث كتب على واجهة "جهة الشعر": الأصدقاء الأعزاء.. سوف يتوقف موقع جهة الشعر عن البث لأسباب تتعلق بعدم توافر الدعم المادي.. ونود هنا ان نتوجه بالشكر لكل من وفر الدعم المادي له على مدى العشرين عاما السابقة والاعتذار لأصدقاء "جهة الشعر" الذين بمشاركتهم النشر في الموقع اسهموا فعلا في الإنجاز الذي تحقق طوال سنوات عمل الموقع منذ انطلاقته العام 1996".

حداد، كان قال من متحف محمود درويش، قبل عامين: لو كان النظام العربي تاريخياً يصغي للشعراء والأدباء والفنانين، لربما صرنا في وضع أفضل، لكون الشعراء يسعون إلى الحلم، وإلى الحرية، وإلى العدالة الاجتماعية .. هل صادفت نظاماً سياسياً عربياً يعالج ولا يحل .. يعالج مشاكله بغير الوسائل الأمنية.

وأشار حداد إلى أن المعارضة العربية لم تكتسب الدرس النضالي الذي ضحت له الأجيال السابقة .. وقال: لطالما أؤكد أن السلطة السياسية العربية أكثر خبرة من المعارضات العربية، لأنها تستطيع أن تدير مشاكلها لا أن تعالجها، باتجاه إفشال أي مشروع إصلاحي .. هذه مشكلة المعارضة العربية.

وأضاف: المعارضة العربية كما الأنظمة، لا تحترم الثقافة ولا المثقفين ولا المبدعين، وأكثر من ذلك تنكل بهم بما قد يضاهي تنكيل السلطات السياسية العربية بهم .. هو خلل تكويني موروث، فالمعارضة كما السلطة ورثت الموقف السلبي من الثقافة والمثقف كأنه موروث مقدس .. لو كانت المعارضة العربية تحترم الثقافة، لكان حظها من التطور أكبر.
ودلل على ذلك بالقول: في فعاليات كثيرة على المستوى العربي، لا أصادف رموزاً من المعارضة تشارك في حضور أمسيات شعرية أو أدبية أو ندوات أو معارض فنية وغيرها، إلا نادراً .. كمعارضة، لكي تقنع الناس بأن بديلاً مناسباً ومستقبلياً للسلطة التي تسعى إلى إسقاطها عليك أن تمنحنا إشارات مختلفة، ودلائل على أنك مختلف عن هذه السلطة، كأن تكون ديمقراطياً، والمعارضات العربية تفتقد لهذا الشرط بالدرجة الأولى، فلا تكاد هذه المعارضات تستوعب اختلافك في تفصيلة صغيرة معها، لذلك تكاد هذه المعارضات تتحلل، لأنها لا تستوعب المختلفين معها.

وشكل موقع "جبهة الشعر" منبراً مهماً لرواد الثقافة والنصوص الأدبية والشعرية، وحيث دأب الكثير منهم على نشر أعمالهم الجديدة، وظل الموقع متماسكاً طيلة الاثنين وعشرين عاماً الماضية معتمداً على دعم مادي بسيط، لكن وبعد كل هذا الجهد يسدل الستار على الموقع، وفي قلوب الكثيرين حسرة وألم.

وجاءت الفكرة استجابة لاقتراح قدمه الصديق عبيدلي عبيدلي وهو من شركة "النديم لتقنية المعلومات" التي تتولى الناحية التقنية والفنية في "الجهة" منذ إطلاقها، كما سبق وأشار حداد، لافتاً إلى ان الفكرة بدأت صغيرة وعبر مشروع فردي وشخصي، ولكن سرعان ما "أصبحت مشروعاً جماعياً تساهم فيه كائنات لا تحصى من أصقاع العالم".

وأضاف حداد، في حوار يعود إلى اثني عشر عاماً، أي في الذكرى العاشرة لـ"جهة الشعر": كانت البداية تقوم على نشر الشعر العربي في لغته، ومع الوقت اشتبكنا بجماليات التعدد اللغوي لنشر الشعر العربي في أكثر من سبع لغات.. بدأنا كمن يتعثر في نوم موحش، ولكننا الآن نسبق أحلامنا في أكثر الآفاق رحابة. فقد كنا نسهر على بناء المحتوى الثقافي النوعي الرصين في "جهة الشعر" من دون أن نغفل عن تطوير الناحية التقنية وتحديثها، ولكن دائماً من أجل بلورة وسائط عرض النصوص وسرعة وصول المستخدم إلى المحتوى.

طوال أكثر من عقدين لم يكف قاسم حداد عما حققته "الجهة" وعن تعداد منعطفات التحول والتحديث فيها، التي انتهت الى تحول "جهة الشعر" من موقع لنشر الشعر الى "مصدر عالمي من مصادر المعلومات الموثوق بها عن الإبداع الشعري العربي، بصفته مرجعاً معتمداً ورصيناً ودائم التحديث"، بل اعتباره "ورشة عمل شعرية عالمية بالمعنى الأدبي والتقني للكلمة".

وقال حداد: طوال سنوات أخذنا في الاعتبار كلام الشاعر الفرنسي رينيه شار مأخذ الجد، عندما قال في قصيدة له: "المستحيل لا نبلغه، لكننا نستخدمه كقنديل".. رأينا في هذه الحملة تعبيراً عن أحلامنا، حتى أننا وضعناها تعويذة للموقع في انطلاقتنا الأولى، والحق أنها منحتنا الثقة في قدرتنا على مستحيلات كثيرة، مستحيلات هي في بساطة الإنسان وفي عمقه في اللحظة نفسها.

واعتبر حداد أن تجربة "جهة الشعر" في سنواتها الاولى جاءت مملوءة بالدروس، ومنها إمكان نجاح المشروع الشخصي في حقل العمل الثقافي، مع حيوية المحافظة على استقلالية المشروع واقتراح خصوصيته، في الذائقة والإرادة، فضلاً عن تنمية الرغبة في تجاوز أوهام أو قيود المحلية والإقليمية التي لم تعد تناسب عصر الانترنت. والذهاب بثقة الإبداع لمشاركة العالم في اكتشاف المستقبل، واعتماد مبدأ البحث عن المعلومة والذهاب إليها لنـراها في الموقع، وليس انتظارها.

من رام الله، اعترف حداد بجرأة المبدع الواثق: أنا لست راضياً عن أشياء كثيرة، وأهمها ما كتبته، مستذكراً مقولة للشاعر التركي ناظم حكمت يقول فيها: وضع الشاعر في الجنة فقال "آه على وطني"، لافتاً إلى أن مقولة حكمت هذه ساعدت على صقل معرفته بالحياة، فالشاعر لا يقترح بديلاً مادياً نهائياً منظوراً وصالحاً .. هو يحلم.

وأضاف: أرجو ألا يطالب الشاعر بأن يقوم بمهمات الآخرين ممن تقع على عاتقهم مسؤوليات لا يقومون بها، فعندما ينهزم الساسة والعسكر يتذكرون أن ثمة شاعراً ومثقفاً وأديباً ومبدعاً هناك، وهو لربما سبب المشكلة والأزمات .. الشاعر يحلم، وكل الفلسفات في حياتنا بدأت بالأحلام، وكل الفلاسفة يؤكدون شعرية النواة التي يصدرون منها، والحضارات تقوم، أو بُناة العالم يقومون على أحلام يطلقها: الشعراء، والكتاب، والفنانون، والمبدعون. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: