... وربحت "مارينا فيدال" الأوسكار!

2018-03-06

كتب يوسف الشايب:

صحيح أن "مارينا فيدال" المتحولة جنسياً في الفيلم التشيلي "امرأة رائعة"، خسرت كل شيء تقريباً، إلا أنها ربحت نفسها في الفيلم، لكنها ايضاً توجت وفريق العمل، بأوسكار أفضل فيلم أجنبي (غير ناطق بالإنكليزية)، حيث رفع الجائزة الذهبية البراقة مخرج العمل سيباستيان ليليو تارة، والممثلة دانيلا فيغو (مارينا).

غضب وضحك سرياليان، فيلم مرعب بمعنى فائق الإبهار على مستوى الصنعة، والحبكة، وتحريك الشخوص وأداء الممثلين، وحتى على مستوى الإضاءة والألوان، وغيرها من العناصر التي تعرجت لتراقص مارينا المطربة المتحولة من عالم الذكورة إلى أنوثة غير شرعية قانونياً ومجتمعياً، إلا من قصة حب تجمعها مع رجل أعمال خمسيني، تنقضي سريعاً، كأنها تماهت مع كلمات أغنيتها مطلع الفيلم "حبك كما صحيفة الأمس".

استطاع ليليو التعاطي باحترافية مع نوبات الفيلم الداكنة، ومزاجيات ملاحم أبطالهم الذين صنع منهم نجوماً عالميين، بدقة تقترب من عمل هندسي راعى تعرجات هذه الشخصيات، وخاصة مارينا، الشخصية المحورية، ما بين صخب وعنف وحزن وتدمير لشاب ليس بشاب، وفتاة ترى نفسها ويراها عشيقها الخمسيني الذي يرحل سريعاً بعد ليلة حميمة على أكثر من مستوى مكتملة الأنوثة، بينما يرفض المجتمع، والمحيطون، إلا ما ندر، كل لأسبابه، التعاطي معها كأنثى، فلا أوراق ثبوتية باسم "مارينا فيدال"، هي التي يتم التعاطي معها كمجرمة بعد رحيل شريكها العاشق، وتضطر للتخلي عن خصوصية هويتها الجنسانية، فتقبل بخدشها في فحص طبي مهين، مقابل عدم توريطها من أسرة الراحل، وطبيب، وعناصر شرطة في جريمة قتل لم تحدث بالأساس.

نبض المأساة الإنسانية لا يغيب عن كامل دقائق الفيلم المائة والأربع، فالتحول الجنسي بات من بين قضايا حقوق الإنسان، التي ترفض الكثير من دول العالم الثالث وغير الثالث التعاطي معها على هذا الأساس، وبالتالي فإن "امرأة رائعة" يعالج دكتاتورية مجتمع ونظام، بما ينطبق على مجتمعات وأنظمة في التعامل مع منظومة متكاملة لحقوق الإنسان، وخاصة ما يتعلق بالهوية الجنسانية.

التحرك بعيداً وليس بعيداً عن مارينا التي تعاني من وحدة باتت مركبة بعد رحيل أورلاندو، يكسر هذه العزلة، في رحلة الكاميرا عبر سيناريو محكم أهّله للتفوق على أفلام مذهلة كالروسي "بلا حب"، والسويدي "المربع"، على وجه الخصوص، وجميعها، بما فيها "امرأة رائعة"، عرضت ضمن مشروع "الأربعاء سينما"، وينتظم بالشراكة ما بين متحف محمود درويش و"نفائس" في قاعة الجليل بالمتحف، عند السادسة تماماً من مساء كل أربعاء.

التحديات بعد رحيل أورلاندو تتواصل، حيث تصادر زوجة عشيق مارينا الخمسيني سيارته منها، وابنه الذي يصر على مخاطبتها بأسماء الإشارة والأسماء الموصولة الذكورية يضربها ورفاقه بعنف، ويصادر منزلها، والكلب الذي تركه العشيق لها، قبل أن تحصل عليه بعد رحلة عناء، بينما تطالبها الشرطية بإثبات شخصية، ويصر الطبيب على أنها متحولة جنسياً، ويخاطبها كذكر أيضاً، بل ويتآمر مع الشرطية لإجراء فحص عار لها في المستشفى، في حين تصر العائلة على عدم السماح لها بحضور جنازته، أو مراسم دفنه، لكنها بمساعدة حارس ثلاجة الموتى، تحظى بعناق بين الأيدي، ولو من طرف واحد، هي التي اعتادت على عناق جسدي كامل ينتهي بتأوهات تغلفها النشوة، ومن الطرفين، هي التي باتت متهمة بقتل عشيقها بادعاء احتمالية تعرضها لاغتصاب منه، أو ممارستها البغاء معه مقابل المال، وتعرضها للضرب أو التعنيف خلال ذلك.

وطوال هذه المحن مارينا تحتفظ برباطة جاش، رغم البناء البطيء والتدريجي للغضب داخلها، لكن كونها "امرأة رائعة"، فإنها تتحول إلى نجمة لامعة عبر تلك الرقصة الخارجة من حطام، فيصدح صوتها الأوبرالي "الوقت يبقى متدفقاً مثل النهر إلى البحر"، وهو ما انعكس في انسيابية سينمائية في مشهد المياه التي تتدفق عبر الفيلم من العاصفة في غرفة نومها الشاهدة على الحب، وعبر انتقال مدهش من حديث رومانسي سائل، إلى سرد صلب كحجر صوّان، يتواءم مع تحولات حكايات مارينا ويومياتها، ومن موسيقى ترتفع درامياً ببطلة الفيلم حتى تطيّرها إلى أعلى باتجاه الكاميرا، وكأن كل من هم أسفلها، حتى شبح أورلاندو الذي يطاردها، ليس سوى "وهم"، وهو الوصف الذي حاول المحيطون بأورلاندو إلا شقيقاً له، إلصاقه بها، فكانوا هم الوهم، وهي "الرائعة"، التي عاشت مع كلبها، وشيء جميل من ذكرياتها، والكثير من الموسيقى والحياة.

لم تستسلم مارينا لقدرها في العالم السفلي، حيث ضاقت عين الكاميرا، وبؤبؤ كل من يلاحقها لحصرها في إطار من العدم، هي "اللاشيء" بالنسبة لهم، أو هكذا أرادوها، لكنها هي التي تمكنت من الفرار من مملكة الموتى، تمسكت بسحر الحياة، وهو ما عبر عنه بمرونة أسطورية ليليو بالاستعانة برمزية المياه بما في ذلك الميناء، ليخرج بفيلم عاطفي لا يستدر العطف، بل يدير قرص الإنسانية في الغرامافون المتخيل، في فيلم ليس خرافة، لكنه خرافي بصنعته التي تسمو حد ما يكسر الفانتازيا بواقع فانتازي أكثر من ابتكارات صناع الروايات المتخلية وأفلام الخيال العلمي.

الفيلم اعتراف مذهل وربما فج، فيه جرح لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات، واستهتار يعكس دكتاتورية تنخر دولاً بل مجتمعات كثيرة، وهو على مستوى الأداء والتحرك، عبر مارينا وغيرها، كان فائق الجودة، فالأنثى أو الرجل سابقاً تقاتل بضراوة بحثاً عن هوية، تصرخ علناً، تبكي داخلها أو خارج الكون، بل تضحك أحياناً بشيء من الهستيريا، لتبقى مثيرة كامرأة، وكنموذج في التحدي، وكمحور لحيوات تتناثر باتساع المعمورة.

"امرأة رائعة"، أكثر من مجرد فيلم سينمائي عابر، ليس لكونه توج بأوسكار أفضل فيلم أجنبي في الدورة التسعين للجائزة السينمائية الأهم في العالم، بل لكونه شكّل تحدياً على أكثر من مستوى، ونجح في أسر انتباهنا، وسرقة قلوبنا، وتحريك الكثير من السيالات العصبية في الدماغ والجسد المرتجف، كجسد "مارينا فيدال". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: