فيلم "بلا حب": إلى أين تذهبين يا روسيا؟!

2018-02-14

كتب يوسف الشايب:

بعد اثني عشر عاماً من زواجهما، وهو ما يزيد بقليل عن عمر ابنهما "أليوشيا"، انهارت مؤسسة الزواج ما بين بوريس وشانيا أو تكاد، فالثانية تواعد ثرياً أربعينياً في محاولة لصياغة جديدة لحياتها، في حين ينتظر الأول طفلاً جديداً من شابة غير زوجته، وكلاهما لا يريد ابن العاشرة أو الحادية عشرة.

هذا الابن العبء يظهر جلياً حين تخاطب الأم الأب بغضب قائلة "إن كان أي منا لا يريده فمن الأفضل أن نذهب به إلى مدرسة داخلية"، لكن ما يحصل أن "اليوشيا" يقرر أن يقلب الطاولة على نفسه وعلى الجميع، فبعد يومين من هذا التصريح العاصف للأم، ولم يلق معارضة من الأب إلا لحرصه على صورته في المجتمع، يختفي "أليوشا" دون أن يترك وراءه أي أثر، ويقضي المشاهد كما الممثلين بقية الفيلم في متابعة رحلة البحث عنه، في موجة تلو الأخرى من الصفعات للمجتمع الروسي الحديث، إن جاز التعبير.

هذا باختصار مدخل للحديث عن فيلم "بلا حب" للمخرج الروسي أندريه زفياجنتسيف، وينافس على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي (غير ناطق بالانكليزية)، بوصوله إلى القائمة القصيرة الشهر الماضي، وعُرض قبل أيام في متحف محمود درويش، الذي خصص عروض برنامج "الأربعاء سينما" في شهر شباط لأفلام مرشحة لأوسكار هذا العام من روسيا، والسويد، وتشيلي، وفيلم "البائع" الإيراني الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي العام الماضي.

الوضع الملتبس للعائلة لا يقل التباساً عن الأوضاع في روسيا والعالم، فاختفاء "أليوشيا" يرمز لاختفاءات عدة على مستوى الدلالات الرمزية الثقافية، والحضارية، والسياسية، والاجتماعية، وغيرها، وهذا أطل برأسه عبر إشارات منها الحديث عن تصاعد فوضى الحرب في أوكرانيا، عبر نشرات الأخبار القادمة من مذياع السيارة ومن التلفزيون، وغيرها مما تطرحه النشرات، ومنها ذلك الحديث الذي لم يظهر في الترجمة العربية للفيلم عبر النشرات عن نهاية العالم الوشيكة، في ظل استمرار الاختفاءات ليس لـ"أليوشيا" فحسب، بل لرجل الدين، ولدور الحكومة المفترض، ولغياب الحقيقة.

إنه مجتمع يلهث وراء الزيف، وهذا أبرزه في مشهد عشيقة الأب، شانيا العشرينية التي ترتدي بذلة رياضية كتب عليها بالانكليزية "روسيا"، وتركض في البرد على جهاز رياضي دون وجهة محددة، هي الشاردة، وكأن زفياجنتسيف يتساءل هنا: إلى أين تذهبين يا روسيا؟ .. وحول هذا المشهد بالتحديد قال المخرج الروسي في مقابلة تلفزيونية معه: هناك كاتب روسي معروف جدا عاش في القرن التاسع عشر اسمه نيقولاي جوجل .. تنتهي رواية جوجل "الأرواح الميتة"، بمشهد للبطل فوق عربة تجرّها الخيول راحلًا بعيدًا عن بلدته. يكتب جوجل حينها: " أوه يا روسيا إلى أين تذهبين؟"، وبعدها يقول إنه لا توجد إجابة لذلك السؤال.

ومشهد بطلة فيلمي مرتدية سترة رياضية وكلمة "روسيا" مطبوعة على صدرها، هو تحيتي الصغيرة للسيد جوجل. فإلى الآن، لا توجد إجابة لسؤال إلى أين تذهب روسيا!
الفيلم الفائز بجائزة مهرجان لندن السينمائي، وجائزة مهرجان ميونخ السينمائي، قائم وفق مخرجه على نقطة التصادم بين درامية الفراق بين الزوجين وفي الوقت نفسه ما يجمعهما وهو اختفاء الطفل.

وعلى الصعيد الفني، يمكن القول إننا نعيش مع كاميرا زفياجنتسيف على وقع خطر محدق بنا، نشعر به على الدوام، ولكن دون ضجيج، ودون أن نراه، فهو يخلق بعيداً بعض الشيء عن الحركة البطيئة على المستوى الدرامي عالماً متساوقاً مع ذاته، لكنه يعكس رتم الشوارع، والمرايا، في محاولة للكشف، دون تكلف أو تقشف، عن حيوات وحكايات في المجتمع الروسي المعاصر، في مشاهد ليس من السهل الخروج منها بمجرد مغادرة قاعة العرض، لأن المشاهد ستبقى تطاردك لفترة فرادى وجماعات، وخاصة إذا ما كان الفيلم ينتصر لـ"الروح" في زمن "المادة" بكل تجلياتها، وكأنه يصرخ "لا نعرف قيمة الأشياء إلا عند غيابها". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


آراء
عبد الناصر النجار
بين سياسة الأمر الواقع وسياسة...
آراء
حسين حجازي
عن التسوية مع غزة أولاً
آراء
حمادة فراعنة
نعم سننتصر ولكن
خرم إبرة
رامي مهداوي
عن مستنبت حشيش
ومضات
وليد بطراوي
ومضات
اقرأ المزيد ...