دفاتر الأيام

فـي ذكـرى رحـيـلـه

زياد خدّاش

2018-02-13

أحبّك يا أخي، يا ضيفي...
أخي سائد، وهم يأخذونك اليوم إلى مكان آخر.. في مدينة أخرى، اسمح لي أن أعتذر لك؛ لأنني لـم أحبّك أكثر، لـم أبتسم في وجهك أكثر، لـم آخذك أكثر في نزهات إلى الجبل، لـم أشتر لك مزيداً من الكولا (التي تحبّها)، لـم أحضنك أكثر، لـم أشارك إخوتي مهمات قص شعرك والحفاظ على نظافتك، وترتيب غرفتك. اكتفيتُ بالرقص التهريجي أمامك عبر النافذة؛ حتى أضحكك وأنت تمرّ في إحدى حالات انفعالك التي لـم نكن نفهمها، أنت صاحب أجمل وأغرب ضحكة رأيتها في حياتي، ضحكة رجل ثلاثيني صافية مشرقة تبزغ فجأة في مركز وجه غاضب، متذمر، رافض، ومكفهر؛ ماذا سأقول للقطط التي اختفت من بيتنا مع لحظة اختفائك؟ القطط الـمطرودة من كل مكان إلا منك، القطط التي تعوّدت أن تنام على كتفك وظهرك.. ظهرك الهادئ كان سريرها، يداك كانتا لعبتها وثقتها، أمّا عيناك فكانتا لغتها.
من أنت؟ ومن نحن؟ من هم ذوو الاحتياجات الخاصة؟ أليسوا هم نحن الذين نؤذي ونشتم ونقتل ونجرح ونفرّق بين الأصدقاء وننافق ونخدع أنفسنا وبعضنا البعض ونخون ونحسد...؟ أنت لا تفعل كل ذلك؟ أنت صاحب العقل إذاً، ونحن أصحاب الاحتياجات الخاصة؛ فالعقل هو السلام والحب وعدم التسبّب بألـم لأحد! حتى لِقطة، أعرف أنك لن تفهم رسالتي هذه، كما لـم أفهم صرخاتك الليلية وضربك العنيف رأسك بالحائط في منتصفات الليالي، لـم تكن جائعاً، أو عطشاً أو مريضاً، كنت تعبّر عن غربتك، عن حنينك بطريقتك الدموية، التي لا تملك سواها، أعرف أن رسالتي لن تصلك أصلاً، لـمن إذاً أكتبها؟ مساق بقوة الإحساس بالإثم الغامض الذي أحمله تجاهك وتجاه أمثالك من الكائنات الغريبة عن كوكبنا، أولئك البلوريين الذين سقطوا على كوكب الأرض خطأً، أولئك الـمسالـمين الضائعين غير القابلين للفهم، هم ضيوفنا.
ما اسم كوكبك أخي الحبيب؟ أليس هو كوكب البلور؟ أنت الآن هناك في العيزرية، في مؤسسة الـملجأ الخيري العربي للـمرضى والـمقعدين، أنت هناك جثة يطلبون منا المجيء لاستلامها، أنت هناك في مكان آخر من أمكنة كوكب الأرض، مكان لا يشبه أبداً وطنك الأصلي، أعرف كم هو مؤلـم ألا يكون الإنسان في وطنه، في بيته، بين أناس لا يفهمونه ولا يفهمهم، لكني أعرف أكثر كم هو مهول ومحطم للروح والقلب العجز عن إبداء الحنين إلى الوطن، وعدم القدرة على إقناع الآخرين بما نحس به تجاه أشيائنا الضائعة.
أتذكرك دائماً وأنت تشير إلى السماء بيدك، وتطلق أصواتاً لا تشبه أصواتنا، كنت أحتار وأتألـم؛ لأنني لا أفهم ما تريد أن تقوله لي، فلا أجد أمامي من حل سوى أن أحضر لك علبة كولا، أضعها في يدك الضعيفة، بطيئة الحركة وأغادرك وأنت ممعن بإصرار كئيب في إشارات يديك وعينيك وصوتك.
سامحني؛ لأنني لـم أبذل جهداً كافياً لتأمل عالـمك، فقد شغلتني عنك هموم الحياة وهواجس الكتابة في عالـمنا الغارق في احتياجاته الخاصة.
ليلة البارحة حلـمت حلـماً غريباً: نهضت من فراشي مفزوعاً على صوت هادر أمام البيت، أزحت ستارة النافذة، كانت مركبة فضائية بلورية، تقف خلف نافذتي، نزل منها شخص يشبهك، يتحرك ببطء وثقة، يمشي باتجاه غرفتك الـملاصقة لغرفتي، يفتح الباب، تخرج أنت ضاحكاً ومشتعلاً بالفرح، تتحدث معه بلغة أسمعها منك لأول مرة، يحضنك شبيهك، تبكيان معاً، ثم تصعد معه إلى الـمركبة عبر سلـمها البلوري الطويل دون أن تنظر خلفك نظرةً واحدةً على سبيل الفضول.
أحبّك يا أخي، يا ضيفي... .

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: