خصائص الكتابة الحكائية في رواية راعية الذئاب لأحلام لقليدة

2018-02-01

محمد علوط *


رواية (راعية الذئاب) للأديبة المغربية أحلام لقليدة هي أول عمل روائي سردي في مسارها الإبداعي الذي عرف بزوغ اسمها كشاعرة ذات منجز شعري متألق، وهي رواية ذات منزع واقعي رمزي في أسلوبية الحكي وتخييل الواقع الاجتماعي، متحررة من هيمنة مبدأ السرد الخطي الأفقي باللجوء الى قالب بناء يعتمد تقنيات التقطيع والتشذير لبنية الأحداث والزمن والمكان، دون أن تجنح كلية نحو ما يوصف بـ (بالتجريبية/التجريدية) .

رواية تتمركز بنية اشتغال عالمها التخييلي على ثلاثة محاور رئيسية :
1 – التشخيص التخييلي الواقعي / الرمزي للواقع الاجتماعي
2 – اعتماد تقنيات المرايا المتعاكسة للشخوص في بناء متخيل الرواية
3 – رمزية البحث عن الخلاص في عالم منهار.

في مقاربتنا النقدية لهذا العمل الروائي الذي هو نص منفتح على مستويات متعددة من القراءات ( من القراءة ذات الطابع الاجتماعي الى القراءة ذات الطابع الايديولوجي والى القراءة ذات الطابع التحليلنفسي/ وأيضا المقاربة من منظور علم السرديات و التحليل السيميائي) سأنزاح الى اختيار استطيقي و هو المتمثل في شعرية السرد و دلائليته ، من خلال المحاور الثلاث المشار إليها أعلاه و التي أراها المحافل السردية أو المرتكزات الحكائية الجوهرية للرواية :

1 – التشخيص التخييلي الواقعي / الرمزي لصورة الواقع الاجتماعي :

يمتد العالم الحكائي لأحداث الرواية ليشمل مسارا تاريخيا لصورة الواقع الاجتماعي المغربي خلال الحقبة الممتدة من الثمانينات إلى لحظة الزمن الراهن، ويتساوق هذا الامتداد مع (ذاكرة السرد) كما يؤطرها من حيث تنضيد الأحداث والشخوص و الأزمنة و الأمكنة، هذا السرد الذي يعتمد الحكي بضمير المتكلم في أغلب مسار حبكته، وحيث صوت الراوي الرئيسي للأحداث هو بطلة الرواية (نادية) التي تتمثل حياتها في مسار إخفاق اجتماعي من حيث العلاقة بالواقع، يضرب عميقا في الذات والنفس والوجدان و الجسد.

وتقدم لنا الكاتبة في منجزها هذا محكيا تخييليا : العلاقة فيه بين الرواية ومرجعها الواقعي الاجتماعي هي علاقة تشخيصية لانعكاس شفاف لصورة هذا الواقع في التمثلات التخييلية للنص الحكائي، حيث تتجاور لغة السرد التعييني المباشر مع لغة الوصف الرمزي الذي يجرد السرد التعييني من الدلالة المباشرة و يمنحه عمقا و كثافة رمزية، هذا إلى جانب لغة الحوار التي تتقاطع بدورها مع لغة مونولوجية واستبطانية وظيفتها الارتقاء بالحوار المباشر الى درجة التكثيف الرمزي.

نكون في النص نقرأ محكيا ينهض على بنية (التشخيص المحاكاتي) لأن العلاقة بين النص والمرجع الواقعي علاقة انعكاسية و مرآوية / حيث الشخوص مثلما الأحداث قابلة للتمثل على مستوى الواقع الاجتماعي، وتشخص في حبكة أسميها انشطارية تراجيديا جيل وطبقة اجتماعية عاشت واقع وجودها بما هو صورة لعالم منهار – عالم تراجيدي للسقوط واغتيال الحلم والنفي و الاغتراب والهروب بمختلف صيغه والبحث عن الخلاص وعن ذات متحققة باكتمالها تتجاوز الانهيار والفقدان الذي يبصم على وجودها الواقعي و الاجتماعي ببصمة (الأحلام المهدورة) .

صحيح أن الرواية تعتمد تخييلا تشخيصيا واقعيا، لكن الكاتبة تنهل من ذاكرة قراءاتية في السرد والروايات الشيء الذي جعلها تكسر مبدأ الانعكاس المحاكاتي المباشر باعتماد حبكة روائية قامت في أبرز تقنياتها الاستطيقية على :

أ – عدم اللجوء الى السرد الخطي الأفقي وذلك بتشظية الحكي في شكل كتابة مقطعية ، و بتوظيف زخم مدهش لتكنيك (الاستباق والاسترجاع الزمني) الشيء الذي يكسر مبدأ الزمن الخطي للرواية، وكذلك نسقية الأحداث، والانتقالات المكانية المفاجئة ، وهذا قد يربك قارئا نمطيا سلبيا ويتلاعب بأفق انتظاره، لكنه لن يربك ذائقة القارىء المتفاعل اليقظ الذي يشحذ مخياله ويصيرا مشاركا في بناء النص وتلقيه.

ب – اعتماد مستويات متداخلة من التنضيد السردي تجعل حبكة الرواية تستدعي علائقية تفاعلية بين السرد الروائي والمحكي السيرذاتي، باعتبار السرد الروائي هو في الان ذاته يحكي سيرة بطلة الرواية نادية، على نفس المحور الذي ينهض فيه السرد الروائي بحكي واقع جيل و طبقة اجتماعية .. هذا بالطبع الى اختراق الحبكة في اخر الرواية باقتباس أسلوب الرواية البوليسية بخصوص التحقيق في مقتل شخصية إلهام واتهام عمر أخ نادية بكونه القاتل وذلك اللغز الذي تختتم به الرواية حول وجود رأس القتيلة بلا جذعها في غرفة عمر.
ج – من (الرواية) إلى (الشهادة) : ما من شك أن القصدية الرئيسية للكاتبة أحلام لقليدة في كتابة النص هي أن تقدم إسهاما روائيا ينضاف الى المنجز الروائي المغربي ويغنيه - وغالبا ما يمكن أن يصطدم مثل هذا النص بقراءات تختزله في اتجاه من المقاربة مثل مسألة الكتابة النسائية وثيمة المرأة ، او في اختزال لا أراه مجديا وهو البحث في علاقة الرواية بذاتية المؤلف وهل تنطوي الرواية هاته على سيرة ضمنية - ومن وجهة نظرنا النقدية فإن هذا العمل الروائي يتوخى أن يقدم (شهادة) على مسار جيل عاش وجوده كإحباط تام ، وادانة لحقبة اجتماعية منهارة لا نزال نعيش ارتكاساتها إلى اليوم.

2 – اعتماد تقنيات المرايا المتعاكسة للشخوص في بناء متخيل الرواية

الإخفاقات الاجتماعية التي تشخصها الرواية تبدأ من بؤرة مركزية وهي الاعتقال السياسي متمثلة في رمزية فقد الأب واختفائه (أب البطلة نادية ) – و هو أول تجليات الموت الرمزي في النص، لتمتد إلى بؤرة ثانية مجسدة في إخفاق منظومة التعليم والتشغيل وما يترب عن ذلك من فقر وحرمان و هي تتمثل رمزيا في شخصية نادية وأخيها عمر وإدريس وصديقتها فاطمة فكلهم من ذوي شهادات جامعية انتهى بهم المصير إلى معاناة الفقر والحرمان و الضياع في زمن سيادة الارتشاء والمحسوبية وطغيان الفوارق الاجتماعية .

وعلى نحو مركزي أيضا تتسيد في النص موضوعة التفكك الأسري متمثلة في رمزية الأم التي تتحول إلى (مناضلة) تقاوم بؤس الواقع وشبح تفكك الأسرة بكل تحد وصمود، تنضاف إليها بطلة الرواية نادية التي توزعت مواقفها ما بين الحلم بواقع بديل وحلم حياة ثانية مغايرة، ارتطم بصخرة إخفاق تراجيدي ، فتحولت تنشد الهروب والبحث عن خلاص في الارتباط بزوجها الفرنسي جورج ، و هو حل لم يكن موفقا، لأن ماضي حياتها وذاكرتها لا تستطيع الانعتاق من الإخفاقات المتصلة بها و المرتبطة بأول حب لها خالد و بحياة أمها الشغالة و أختها ليلى الضائعة وأخيها عمر الذي لم تفده شواهده الجامعية لينتصر على بؤس الواقع .. لذلك تنفصل عن زوجها وتعود في نهاية الرواية إلى نقطة الصفر، وهي مجازيا أشبه بالرأس المقطوعة التي عثر عليها في غرفة أخيها عمر والذي انتهى مصيره إلى سجن مؤبد.

وينضاف الى تراتبية موضوعات الإخفاق هاته موضوعتان تستحضرهما الرواية بقوة وهما : تسليع جسد المرأة وارتكاسات الجنس سلبيا في الذوات المنهارة المتفككة (نادية في علاقاتها المنكسرة بكل من عباس وخالد وجورج ، وليلى الأخت و إلهام الجارة القتيلة اللتين تقدمان صورة المرأة / السلعة كحل لا يختلف عن كونه شكلا من أشكال الهروب وانتفاء الذات) .
والموضوعة الثانية هي انتهازية المثقفين في زمن فقدان الكلمة و الوعي الثقافي إلى دمائها الجوهرية وتحولهما إلى سلوك انتهازي و إفرازا لعقد مرضية لإنتاج الارتكاسات والهزيمة وردود الأفعال السلبية التي تعد هروبا مضادا إلى ما هو أسوأ من أشكال الإخفاقات السابقة الذكر (شخصية عباس المثقف والحاج صاحب المكتبة).

هذا النسيج الشخوصي شغلته الكاتبة سرديا في نسق رمزي أنتج لنا متخيلا للمرايا المتعاكسة حيث القارىء بإمكانه قراءة وتأويل إخفاقات نادية منعكسة في مرآة الأب الغائب، وفي العشيق الأول خالد كمرآة لانمحاء مثالية العلاقة العشقية وفساد قيم الحب، وفي زوجها الفرنسي جورج كمرأة تفضح زيف الحلول الوهمية الباحثة عن خلاص منشود في واقع مغاير مثل الغرب تحكمه قيم لا تتطابق مع الذات والواقع والوعي الثقافي والايديولوجي لبطلة الرواية نادية.

وبالمثل فإن شخصية عمر تنعكس مجازات صورتها الواقعية و الاجتماعية في ارتكاساتها واخفاقاتها من خلال مرايا الشخوص النسائية التي تحيط به (الأم وأختيه نادية وليلى والجارة إلهام) – ففي الوقت الذي يشعره حسه الذكوري الشرقي بأنه الكفيل بهؤلاء النسوة مكان الأب الغائب، فإن إخفاقه في العمل والحب يحوله إلى عالة عليهما، وهو موقف سيؤدي به الى تبني حل هروبي يتمثل في التدين المتشدد، واكتسابه ما يشبه سلطة قمعية لإرادته وإرادة من حوله، و هذا المسلك الهروبي المتطرف ينتهي به إلى القتل والسجن.

لا نريد هنا أن نستعرض كل أشكال الانعكاس المراوي للشخوص الواردة في الرواية لنترك للقارىء حظ استبطانها في شموليتها، إذ ما يهمنا هو الإشارة إلى أن هذا التكنيك السردي في بناء الشخوص منح العمل بنية درامية مؤثرة ، نقلت النص من مستوى التشخيص الواقعي المباشر إلى مستوى التشخيص الاستطيقي الرمزي الاستعاري والمجازي الخلاق.
.
3 – رمزية البحث عن الخلاص في عالم منهار

الكثير من الموت المادي والرمزي تجسده الرواية في متخيلها من الموت الرمزي للأب الذي تحمل صورته نادية في صندوق مترحل معها إلى الموت المادي لإلهام موتا عبثيا عديم الدلالة والجدوى / مرورا بكل أشكال الموت المضاعف للشخوص وهي تغترب في حلول فردية، ونزعة هروبية تقايض بها مسعى البحث عن الخلاص والمصير في عالم منهار.

الروايات ذات المنحي الواقعي الايديولوجي كلها على نحو مماثل طرحت رمزية البحث عن الخلاص في واقع السقوط والهزيمة، وكلها انطلقت من التقابل الضدي بين واقع قائم وواقع ممكن يجسد البديل المغاير/ الأطروحة و نقيض الأطروحة.

الكاتبة أحلام لقليدة لا تدعي أنها تقدم لنا رواية ايديولوجية بالمعنى المتعاقد عليه في أدبيات النقد السائد، فلقد أبانت الروايات الايديولوجية عن مأزق وعيها الشقي في قراءتها للعلاقة بين الواقع والسلطة، وتبين أن علاقاتها السياسية بهذا الواقع كانت شعاراتية من جهة وانفصامية من جهة ثانية، فانتهت إلى سقوط تراجيدي أشد قسوة وارتكاسا في الوجدان العربي الجريح وأشد تحويلا للواقع إلى ما يشبه المتاهة أو واقعا ممسوخا فقد ما تبقى من أصالته وجوهريته.

إنها تقدم روايتها كـ (شاهدة على حياتها وزمنها وعصرها) / لا تقدم شعارات ولا حلولا. تشخص هذا الواقع بلغة روائية واعدة تنبىء عن مشروع كاتبة روائية متميزة ، تريد أن تسمع صوتها للعالم وللذين اكتووا بنار المرحلة التي تشخصها روايتها.

هي رواية إصغاء للذات والواقع والتاريخ وللذاكرة، فنحن تعلمنا أن نتكلم كثيرا ولا نحسن الإصغاء، رواية مميزة بعفويتها وحتى بأخطاء طفولتها كنص من نصوص البدايات الروائية – رواية قوية أيضا ككل الروايات التي تطرح سؤال المصير والخلاص . رواية مغربية وعربية في وقت واحد، لأن شخوص الرواية مرايا عاكسة لكل شخصيات الوطن العربي المهزومة بعنف الواقع وانحلال و تفسخ القيم النبيلة.
.
الخلاص كما تختاره شخوص الرواية له قيمته التحليلية والتأويلية على مستوى الواقع، لكن الخلاص الجوهري كامن في (الرواية كمشروع كتابة)/ الخلاص يكمن في الكتابة التي تعيد تأسيس الذات والواقع بالمساءلة القائمة على النقد الذاتي. فالانهيار قائم والخلاص أيضا ممكن، لكن يجب أولا أن نكتب ونكتب ونشرح جسد هذا الانهيار .. ثمة نقطة ما، مكان ما، طريق ما سيقودنا للخلاص حين نكتشف أصل الخطيئة / الخطأ الأصلي بلغة يونج ونقاد اللاوعي الجماعي.

أن رواية تفتح مسارات التأويل والنقد على كل هذه الأسئلة الجوهرية هي بالتأكيد حاملة لجمرة الكتابة و إرهاصاتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ناقد أدبي / المغرب 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: