آراء

مقومات تطوير القرار الفلسطيني

مهند عبد الحميد

2018-01-16

بين القرار الفلسطيني الحاسم والمطلوب في الرد على التحدي الأميركي الإسرائيلي الذي شطب الحقوق الفلسطينية المشروعة الأساسية بوقاحة منقطعة النظير، وبين الموقف الممكن من وجهة نظر النخبة السياسية للمنظمة والسلطة فرق كبير.
فقد دخلت المنظمة والسلطة الامتحان دون الاستعداد المطلوب والكافي بحده الأدنى ودون استشراف مآل الاحتكار الأميركي للعملية السياسية في ظل التحولات الكبيرة.
الموقف الفلسطيني المنسجم والرد بمستوى الفعل الأميركي الإسرائيلي المتغطرس، له مقومات لم تبن طوال الوقت ولم يجر الاستعداد لها لتكون قادرة على احتمال الضغوط الاقتصادية والسياسية، وعلى خوض المعركة السياسية إلى النهاية بهدف إحباط مشروع ترامب نتنياهو.
افتقاد مقومات الرد أخذاً بالقانون الفيزيائي القائل: لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، سيدفع إلى أحد احتمالين: الاحتمال الأول بقاء القرار حبراً على ورق كما هو الحال، والاحتمال الثاني تخفيض سقف الرد ليتلاءم مع المقومات والقدرة على الفعل.
وبحسب ما رشح من معلومات فقد تعاملت اللجنة السياسية بالموقفين وقدمت المستوى الأول من مشاريع القرارات القوية، كقرار سحب المنظمة لاعترافها بإسرائيل لحين اعتراف الأخيرة بالدولة الفلسطينية، وقرار إلغاء اتفاق أوسلو، وتبني سياسة مقاطعة إسرئيل بما في ذلك سحب الاستثمارات وفرض العقوبات.
ووقف التنسيق الأمني. والتراجع عن اتفاق باريس الاقتصادي وعلاقات التبعية الاقتصادية المهينة التي كرسها.
لكن سرعان ما جرى التوافق على المستوى الثاني من الموقف الذي جاء خطاب الرئيس أبو مازن معبراً عنه.
والمستوى الثاني لا يتراجع عن التوجهات، لكنه لا يضعها بصيغة إجرائية مباشرة، ويحيل تنفيذها للجنة التنفيذية دون إلزامها بمدى زمني وبآلية تنفيذ محددة.
إن هذا الموقف المتوقع صدوره عن دورة المجلس المركزي (القدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين)، لا ينتمي إلى الحسم  وله أكثر من تفسير.
ثمة خشية من بقاء قرارات المجلس المركزي دون تطبيق كغيرها من القرارات مثل قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة والجامعة العربية، وسيكون لذلك انعكاس سلبي على الثقة الشعبية وعلى الصمود في مواجهة الاستباحة الإسرائيلية الأميركية للحقوق الفلسطينية. وهذا يشكل تحديا كبيرا أمام المؤسسة الفلسطينية.
وإذا كان الحسم والتطبيق معلقين في المستوى الأول للقرارات الفلسطينية، فإن المستوى الثاني من القرارات التي سيتخذها المجلس المركزي لها حظ من الفعل.
يأتي في مقدمة ذلك عدم تأمين غطاء فلسطيني لصفقة القرن الترامبية ولكل المواقف التي تبحث عن التعايش مع قرار ترامب حول القدس، ولتطبيع بعض الدول العربية مع دولة الاحتلال، والبدء بتجاوز الاحتكار الأميركي للعملية السياسية والوساطة عبر رفض الدور الأميركي كوسيط وراعٍ للتفاوض الفلسطيني الإسرائيلي بعد قرار ترامب حول القدس، وعبر الدعوة لاستبدال الرعاية الأميركية برعاية دولية، إضافة إلى الرفض الفلسطيني للضغوط والتهديدات والعقوبات الأميركية والإقليمية التي هدفها اختراق وتطويع الموقف الفلسطيني.
كما أن قرار التحرك دوليا ودخول المنظمات والاتفاقات التي كانت الإدارة الأميركية تمانع بدخول فلسطين إليها، وإعادة طرح عضوية فلسطين الدائمة على مجلس الأمن والجمعية العامة.
وقرار رفض كل الحلول الانتقالية بما في ذلك الدولة المؤقتة، ورفض البدائل كقبول بأبو ديس عاصمة بديلا للقدس. هذه المواقف والقرارات مهمة في مقاومة مشروع تصفية القضية الفلسطينية، وفي تمهيد الطريق للانتقال إلى المستوى الأول من القرارات ومحاولة وضعها في حيز التطبيق.
الموقف الصادر والذي سيصدر عن المجلس المركزي بمستواه الأول غير الحاسم، وبمستواه الثاني الاعتراضي الذي يزيل الغطاء السياسي الفلسطيني عن صفقة ترامب، هذا الموقف الذي يحظى برضا حركة فتح باعتباره الأفضل، ويعتبره يمين فتح متشددا، مقابل ذلك ترفض المعارضة الإسلامية واتجاه في المعارضة اليسارية. 
الموقف الذي سيصدر عن المجلس المركزي منسجم مع بنية السلطة والمنظمة التي تعاملت وانتظرت طوال الوقت حلا سياسيا عبر التفاوض من فوق، تلك البنية غير المهيأة لموقف حاسم من "المستوى الأول" وليس من مصلحتها قلب الطاولة وهي أكثر انسجاما مع الموقف الاعتراضي الثاني.
الموقف ذاته ينطبق على المعارضة الإسلامية التي تشكلت ببنية استخدامية اعتراضية، ولم تتمكن من إشادة مسار بديل كان من شأن النتيجة المأساوية لمسار أوسلو أن تدفع الأكثرية نحوه، بل لقد تعايشت المعارضة مع مسار أوسلو وأخذت تعتمد عليه وانصب اهتمامها على تقاسم الكعكة ومن ثم تنمية جهوزيتها لقيادة المسار وليس الانتصار لمسارها المعارض.
المعارضات الأخرى لم تحفر مجرى لمسار آخر مستقل يتحول إلى بيضة القبان، بقي وسيطا توفيقيا فاشلا،  يعطي علامات - الإكس - بقلمه الأحمر وقد راكم منها ما يكفي لإسقاط أكثر من مسار.
ولكن ولأنه لم يحدث تغيير في موازين القوى الداخلية من موقعه كبيضة قبان وبقي يزاول مهنة وضع "الإكسات" فلم يترك أثرا.
أخلص للقول إن النتيجة التي توصل أو سيتوصل إليها المجلس المركزي تنسجم مع واقع موازين القوى الداخلية والسياسية التي لا تعطي أفضل.
وما لم يحدث فرق في الاستقطاب والنفوذ السياسي سيبقى الوضع على حاله، وما لم تتدخل دولة الاحتلال التي لم يعجبها موقف الاعتراض على سياساتها وسياسة حليفها ترامب، وقد بدأت تشن حملة سياسية وإعلامية ضد القرارات الفلسطينية، وهي مرشحة لاتخاذ إجراءات عقابية تحاول عبرها إعادة ترتيب أوراق تخل بالتوازن القائم.
وحتى يكون الصمود والاعتراض ومقاومة مشروع التصفية الأميركي الإسرائيلي مؤثرا وفاعلا وقابلا للتطور. يتعين إعطاء الوزن الأكبر من الاهتمام لتطوير مناعة المجتمع والمكونات الفلسطينية الأخرى، بدءا من قطاع غزة الذي يتطلب وضع خطة إنقاذ للبنية التحتية الآيلة للانهيار وللاقتصاد بمعزل عن النزاع على السلطة.
والبداية تكون بكسب ثقة المواطنين في غزة عبر مشاريع تنمية وإنقاذ وبناء. إن إنهاء حالة الانقسام المستعصية تبدأ من تحت، من المواطنين الذين سيخلون بالتوازن القائم لمصلحة القوى التي تساعد في إنقاذهم من المحنة.
كذلك فإن تطوير مناعة المجتمع تستند إلى روافع كالتعليم الذي لا يساهم بمناهجه القديمة الجديدة في تطوير مناعة المجتمع وتدعيم صموده.
إن قوة الصمود والتغيير والتطوير التي نملك موجودة في المدارس والجامعات التي تضم الثلث الحي من المجتمع الفلسطيني. لكن استثمارنا في هذا الحقل ظل هشا ومرتجلا، بل لقد ترك تحت رحمة قوى التعصب والانغلاق التي تكبح دوره المأمول.
والاقتصاد الذي يستخدم في الضغط والتطويع يحتاج إلى إعادة نظر ووضع أولويات كي يتحول إلى رافعة صمود.
Mohanned_t@yahoo.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: