نقطة ضوء

الصراع على روح العالم العربي..!!

حسن خضر

2018-01-16

توقفنا إزاء ما أسميناه الصراع على "روح" العالم العربي. والواقع أن تعميمات، وتجريدات من نوع "روح" و"عقل" يجب أن تُعامل بحذر بالغ، خاصة إذا كان الكلام عن عالم يضم ما يزيد على 360 مليوناً من البشر، في 22 دولة.
ومع ذلك، يمكن التفكير في ثلاث مدارس أيديولوجية: القومية، والشيوعية، والإسلاموية. مدارس ليست تمثيلية تماماً، ولكنها زعمت، تعريف تلك الروح، وسعت إلى ترجمتها في تعبيرات سياسية. وكلها نشأت عشيّة، وبعد، انهيار الإمبراطورية العثمانية، واقتسام أملاكها من جانب الكولونيالية. وكلها، أيضاً، وليدة الحواضر، وهذا التمييز ضروري جداً.
يمكن الكلام، في الوقت الحاضر، بأثر رجعي، عن النهايات التراجيدية للمدرستين الأولى والثانية. ويمكن الكلام، أيضاً، عن نهاية مُنتظرة لا تقل مأساوية، وإن اختلفت الأسباب، للثالثة، أي الإسلاموية، التي جسّد "داعش" خطها البياني صعوداً وهبوطاً.
تجلّت القومية في الناصرية، والبعث، والقوميين العرب، والشيوعية في أحزاب سوفياتية المنشأ، وفي حركات اليسار الجديد. وقد نجم عن التفاعل والصراع بين المدرستين: قومية يسارية، ويسار قومي. أما الإسلاموية فتجلّت في الإخوان المسلمين، وحزب التحرير، والوهابية السعودية (في زمن ما يُدعى بالصحوة) والجهادية الإيرانية. ونجم عن التنافس، والتفاعل، والصراع، بين هذه الروافد، خليط وتجليات يصعب حصرها لإخوانية توهبنت، وجهادية تسعودت، وقومية تأسلمت.
والمهم، أن التفاعل، والتنافس، والصراع، بين روافد مختلفة، تم من أعلى إلى أسفل. فلم يكن في وسع القومية أن تحظى بما كان لها من نفوذ لولا الدولة الناصرية، ودولة البعث في سورية والعراق. والشيوعية لم يكن في وسعها أن تحظى بما كان لها من نفوذ لولا وجود السوفيات، والكتلة الاشتراكية، وتحالف هؤلاء مع الناصرية والبعث، واستعارة القومية، في ظل احتدام الصراع مع الكولونيالية، لمفاهيم يسارية المنشأ. وبالقدر نفسه لم يكن في وسع الإسلاموية أن تحظى بما حققت من نفوذ لولا رعاية الدولة السعودية.
والمهم، أيضاً، أن الكولونيالية، في زمن وسياق الحرب الباردة، عرّفت، وجابهت، القومية والشيوعية، كعدو، وإن كانت قد حاولت احتواء الأولى في مجابهة الثانية، إلا أن المحاولة كانت قصيرة الأمد. أما الإسلاموية، فلم تُعرّف كعدو في كل زمن، وسياق، الحرب الباردة، بل عوملت كحليف فعلي أو محتمل، ولم تُصنّف تجلياتها المتطرفة كعدو إلا بعد "هجمات 11 سبتمبر". وزاد، في الواقع، رهان الأميركيين على الإسلاموية "المعتدلة" بعد الهجمات المذكورة.
لماذا عرّفت الكولونيالية القومية والشيوعية كعدو؟ بسؤال كهذا نصل إلى بيت القصيد: القومية والشيوعية، على اختلاف تجلياتها اليسارية، ذات مضامين اجتماعية وسياسية عميقة الجذور، في الاجتماعي منها ما يحيل إلى توزيع الثروة، والعدالة الاجتماعية، وفي السياسي ما يتصل بطبيعة وصلة النظام السياسي بالعصر، وقضايا الاستقلال القومي. وقد كانت للجانبين، دلالات بالغة الخطورة في زمن الحرب الباردة، وبعدها.
 أما الإسلاموية، فقضيتها الأهم هي الشريعة، والهوية الدينية، وكلتاهما بلا مضامين اجتماعية، أو سياسية، تثير قلق الأميركيين أو غيرهم. وحتى إذا اعترفنا بإمكانية العثور على تأويلات اجتماعية، أو سياسية، في مرجعيات الإسلاموية، فليس فيها، وفي كل تأويلاتها المُحتملة، ما يوحي بالتناقض مع الاقتصاد الرأسمالي، وحريّة رأس المال. والواقع أن الليبرالية الجديدة لم تكن لتحلم بوجود شريك أفضل من الإسلاموية في العالم العربي، وتركيا الأردوغانية، وإيران آيات الله (التي تتوق بدورها للانخراط في سوق تعولمت بمجرد رفع العقوبات).
من تحصيل الحاصل التذكير بحقيقة أن القومية والشيوعية تكبدتا هزيمة ساحقة، لأسباب داخلية وخارجية، لا مجال لذكرها الآن، وأن الإسلاموية، وبضغط من أعلى إلى أسفل، أيضاً، هي المنافس الوحيد منذ ثلاثة أو أربعة عقود مضت على "روح" العالم العربي. وإذا كانت قد انخرطت مع الكولونيالية الغربية في شن الحرب على كل التجليات المُحتملة للقومية والشيوعية، في زمن الحرب الباردة وبعدها. فإن في هذا، ونتيجة إحساسها "بالتمكين" دون معرفة ما تفعل به، ما أوقعها في أزمة وجودية بشأن الغاية والطريق، بعدما خلت الساحة من المنافسين.
ولم يكن من المُقدّر لأزمة كهذه أن تتجلى، وبهذا القدر من النتائج الكارثية، لولا ثورات الربيع العربي المجيدة، التي طرحت للمرّة الأولى، بعد سقوط القومية والشيوعية، شعار: خبز، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية، بوصفه أرضية لأيديولوجيا بديلة، وخارطة طريق محتملة للصراع على "روح" العالم العربي. صحيح أن هذا الشعار لم يتجسّد في أحزاب سياسية بعد، ولكنه كان قادراً على إسقاط حكّام، وإخافة غيرهم، وحشد ملايين الناس في الشوارع والميادين، بعدما تخيّلت الإسلاموية أن انتصارها حاسم ونهائي. ولذا، لم يكن لردها أن يتجلى إلا بوصفه ثورة مضادة.
"داعش"، و"القاعدة"، و"النصرة"، مجرد إجابات مُحتملة للثورة المضادة على أزمة وجودية. ولكنها ليست الوحيدة، وإن تكن الأكثر دموية وصخباً. فما يحدث، في الواقع، أن الثورة المضادة تستدعي نوعاً من إعادة التموضع، بالمعنى الأيديولوجي، للحيلولة دون "فقدان الجمل بما حمل". وهذا يعني طرد إخوانية توهبنت، وجهادية تسعودت، من متن الإسلاموية، وإعادة إنتاج الإسلاموية نفسها بوصفها يوتوبيا جديدة، بلا قيمة ولا معنى خارج قيمة ومعنى السوق.
 وبهذا المعنى، أيضاً، تبدو الثورة الترامبية، إي استعلاء البزنس على القيم والسياسة، بمثابة المُعادل الموضوعي للثورة المضادة في العالم العربي، وكلمة السر في هذا وذاك: الصراع على "روح" أميركا هناك، وعلى "روح" العالم العربي، هنا. وليس من قبيل المصادفة أن يتجلى لقاء الثورتين بهذا القدر من العناق. يجول في العالم العربي، منذ سبع سنوات، شبح مُخيف يضع على وجهه قناع: خبز، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية، وفرائص الكل ترتعد.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: