"الحبر المر" لإيليا غربية يفتتح موسم "الأربعاء سينما" في متحف محمود درويش

2018-01-16

كتب يوسف الشايب:

دشّن متحف محمود درويش و"نفائس"، الموسم الجديد لبرنامج "الأربعاء سينما"، بعرض فيلم "الحبر المر" للمخرجة الفلسطينية إيليا غربية، والفائز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان كام السينمائي الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة في القاهرة، بحضور المخرجة، وغالبية من شاركوا في الفيلم من أسرى محررين، وعائلات لأسرى في زنازين الاحتلال.

ويستعرض الفيلم الوثائقي، وتخلله مشاهد تمثيلية، في قرابة النصف ساعة، أدب السجون، من خلال تسليط الضوء بشكل محوري على حكاية وإبداعات الأسير باسم خندقنجي، وأسرى آخرين كعصمت منصور، ووليد الهودلي، وسميح محسن، إضافة إلى الكاتب والأديب محمود شقير، والإعلامي والشاعر اللبناني زاهي وهبة، ليرسموا بمشاركاتهم لوحة بانورامية عن تحدي الأسير لسجانيه ومحتليه عبر بوابة الإبداع الأدبي خاصة، والثقافة عامة، غير مغفلين الحديث عن الصعوبات، وخاصة ملاحقة هذه الإبداعات من قبل سجّاني الاحتلال في الزنازين، وطرائق تهريبها إلى خارج الزنزانة لترى النور بين دفتي كتاب مطبوع.

وأشارت المخرجة إيليا غربية أن فكرة فيلم "الحبر المر" انطلقت من داخل قاعة الجليل في متحف محمود درويش، بعد أن شاركت في حفل إطلاق رواية الأسير باسم خندقجي "مسك الكفاية"، معبرة عن سعادتها بأن يكون عرض الفيلم الأول في ذات المكان الذي انطلقت فكرة الفيلم منه، مهدية الجائزة لكل أسير في سجون الاحتلال، ولعائلات الأسرى، وخاصة عائلة الأسير باسم خندقجي، ولروح والده.

وقالت غربية: أنا صحافية في الأساس، وحسي الصحافي حين حصلت الأمسية، وقابلت أسرة باسم، ومن بعدها قرأت الرواية، قادني لإخراج هذا الفيلم الوثائقي عن باسم وعن جزء من تجربة أدب السجون، أو الكتابة الإبداعية للحركة الأسيرة، خاصة أن تجربة خندقجي الروائية تجاوزت الشكل التقليدي لما يكتبه الأسرى عادة، فرواياته تاريخية لا توحي بأن كاتبها أسير في زنازين الاحتلال، ومحكوم عليه بالسجن لثلاثة مؤبدات، وكان لعائلته كما الأسرى المحررين المشاركين في الفيلم، الدور الأكبر بما يحققه من إنجازات في المهرجانات العربية والدولية.

وقبل عرض الفيلم، شدد عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، على أهمية فيلم "الحبر المر"، الذي هو "بمثابة تحية لكل الأسرى القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، هؤلاء المبدعين إنسانياً ووطنياً وثقافياً"، مضيفا: هذا الفيلم كأنه يوجه دعوة إلى الجميع، وخاصة المثقفين والكتاب والمؤسسات المعنية لتوثيق التجربة الإبداعية، الثقافية والفكرية للحركة الوطنية الأسيرة، لكونها تجربة غنية، وجزء مهم من التاريخ الوطني الفلسطيني يجب ألا يصبح طي النسيان، لكونه يعكس تجربة مليون فلسطيني دخلوا سجون الاحتلال"، مشددة على أهمية تبني "أدب السجون" كجزء من "أدب المقاومة الفلسطينية".

وقال قراقع: الفيلم يشير إلى أن لكل أسير قصته، ومحمود درويش قال من يكتب قصته أولاً يملك أرض القصة، فالأسرى منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي، أسقطوا مفهوم السجن الذي أراده المحتلون بديلاً لحبل المشنقة عبر الإجراءات القمعية والتعسفية، وسياسة الطمس الثقافي، والاستهداف الأمني والوطني للأسرى، الذي كما قال الفيلم وتقول تجاربهم، كان القلم ملاحقاً كما الكتاب والثقافة، لأن الاحتلال يسعى إلى تحويل الأسرى إلى أرقام صماء منزوعي الإنسانية، ولهذا لاحقوا كل نشاط ثقافي، وكل دفتر، وكل كبسولة، وكل جلسة نقاشية، وكل شيء، لكن الأسرى لم يستسلموا لمخططات الاحتلال هذه التي استهدفت إنسانيتهم وهويتهم الوطنية والإنسانية والثقافية.

ولفت قراقع إلى أن "أدب السجون"، تجربة نقية وصافية وشجاعة وجريئة وغير مرتبطة بأية مصالح، وتخرج من أقسى الأماكن وأشدها صعوبة، ألا وهو السجن، "المكان الذي يشتبك فيه الأسرى على مدار الساعة مع السجانين والاحتلال، كما لفت إلى أن معركة الثقافة مع السجان معركة طويلة، تمكّن فيها الأسرى من إجبار الاحتلال على إدخال الكتب والدفاتر، وفرضوا على الاحتلال الدولة الخاصة لهم عبر بوابة الثقافة، وبدأت تخرج النتاجات الثقافية والأدبية لترى النور، والمعركة مستمرة، وكان من آخر فصولها مصادرة سجاني الاحتلال لثلاثة آلاف كتاب من سجن "هداريم"، وكأن السجان يخاف ما سيكتبه الأسير عن وحشيتهم وإنسانيته، مشدداً على أن أدب الأسرى لم يبدأ مع محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم في منتصف القرن الماضي، وعقب النكبة، أو عقب احتلال العام 1967، بل حتى في العهد البريطاني، حيث كتب خليل بيدس وإبراهيم طوقان وغيرهم من الكتاب المقاومين مذكرات وكتابات إبداعية من داخل السجون البريطانية.

وختم قراقع كلامه بالحديث عن مشهد أبو باسم الخندقجي، وتوفي قبل عام تقريباً، في الفيلم وهو يبكي، وقال: لا أدري إن كان يبكي فرحاً أم ألماً، ولكني شعرت أنه يبكي فرحاً لشعوره بأن ابنه حي ويكتب، والنصوص التي يكتبها يقرأها الجميع في فلسطين وخارجها، وكأن باسم ليس في السجن، بل يتنفس، واستطاع بما يكتبه وتطلعه إلى الحياة والحرية أن يتغلب على الاحتلال وسجانيه، مقتبساً من الأسير خندقجي "من نصّي أوقد ناري، واصلي، وانبعث، وأتقدم". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: