رجل نرجسي وخطير في المكتب البيضاوي

2018-01-14

بقلم: جونثان فريدلاند

ماذا تتوقع أن يفعل الجمهوريون رداً على آخر كشف عن دونالد ترامب؟ هل تتوقع أن تضع شخصيات الحزب البارزة رؤوسهم الجماعية في أيديهم، أو أن ينهاروا في حالة يأس من الرجل الذي اختاروه رئيسا للولايات المتحدة؟
كان لديهم بالتأكيد سبب وجيه. في كتاب "النار والغضب" تم تصوير ترامب على أنه جاهل، فالمستشار الذي حاول أن يعلمه الدستور لم يتمكن من الذهاب أبعد من التعديل الرابع قبل أن تحدق عيون ترامب، إنه لا يقرأ، أو حتى يختصر، بل ينفد صبره سريعاً قبل أن يمر على العناوين.
يحاول بعض حلفائه إقناع وولف بأن اضطراب نقص الانتباه هو جزء من عبقرية ترامب الشعبوية: فهو "ما بعد القراءة والكتابة – إنه تلفزيون كلي".
هو أيضا مريع: فقد قرأنا أن رياضة ترامب المفضلة هي خداع زوجات الأصدقاء لمعاشرتهن. إنه أيضاً غريب، خاصة في غرفة النوم: حيث اشتبك مع حارسه السري بسبب إصراره على أن يكون قادرا على تأمين نفسه في مقره (لدى ميلانيا إقامة منفصلة)، كما طالب بتركيب تلفزيونين إضافيين، حتى يتمكن من مشاهدة ثلاث قنوات إخبارية في آن واحد. ويخلد للنوم مبكراً في السادسة والنصف مساءً، كما أنه يقضي ساعات أمام قناتي "فوكس" و"سي إن إن" ملتهماً شطائر البرجر. وإذا كان هناك بقايا طعام لا تتمكن الوصيفة من تغيير الملاءات، لأنه يصر على أنه يغيرها بنفسه.
علمنا أيضاً أن ترامب يعتقد أن برنامج "ساترداي نايت لايف" يضر بالأمة وأنه "كوميديا وهمية"، وأن ابنته إيفانكا تريد أن تكون هي نفسها رئيسة، وأنها تتهكم سرّاً من شعر والدها الذي يتحدى التصفيف، ولعل أكثر ما يبعث على السخرية أن نحصل على إجابة عن السؤال الذي أثار غضب ترامب طويلاً: ما هي حقيقة الغموض الذي يكتنف حالة الفوضى في البيت الأبيض والخلل الوظيفي التي ظهرت منذ توليه منصبه. اتضح أن الرئيس يقضي أوقاتاً طويلة على الهاتف مع أصدقائه المليارديرات، الذين لا يشعرون بأي التزام بالسرية، وبعبارة أخرى، فإن من يسرب هذه الوقائع هو ترامب نفسه.
وبالنظر إلى كل هذه المواد، ستغفر لأعضاء الكونجرس من الجمهوريين كونهم متجهمين. وبدلا من ذلك، ستفهم أسباب شجبهم للكتاب، وربما انضمامهم لمن يشككون في أساليب وولف، معتقدين أنه غالبا ما يحيد الحقائق المؤكدة ويسلك طرقًا صحافية ملتوية. ولكن هذا لم يكن رد فعلهم.
وبدلا من ذلك، قام حساب الحملة الرسمي لميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، على موقع تويتر بنشر صورة لماكونيل، كما لو أن هذه الصورة تعبر عن مزاج العديد من زملائه.
علام يجب أن تبتسم؟ إنهم سعداء لأنهم يعتقدون أن كتاب "النار والغضب" يصادف سقوط ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابق لدى ترامب، ومصدر بعض المعلومات الأكثر أهمية في الكتاب.
كان بانون هو الذي أخبر وولف بأن ترامب قد "فقدها"، كما أن بانون وصف اجتماع دونالد ترامب الابن مع محامٍ روسي – من أجل الهجوم على هيلاري كلينتون – بأنه "خيانة".
والحقيقة هي أن بانون يشكل تهديداً لماكونيل وأمثاله، كما أن ترامب يعتقد أنه إذا تم كسر بانون، فإنه يمكن أن ينام مطمئن البال.
ولكن البعض يذهب لأبعد من ذلك، معتقدين أنه مع موت بانون، ستموت "البانونية"، إنهم يتوقعون أن ترامب الآن معتدل، وسيصبح أكثر تقليدية، ويركز على ملء الفراغ في المكتب البيضاوي، وهذا هو الوهم بعينه، لسببين:
أولا: صحيح أن الأمور تبدو سيئة بالنسبة لبانون الآن، فقد على ما يبدو الدعم المالي لعائلة الملياردير ميرسر، ومن المحتمل أن يفقد السيطرة على امبراطورية بريتبارت الإعلامية اليمينية المتطرفة، لكنه يفهم ترامب ويعرف أنه إذا كنت على استعداد للتجول والتملق، والتقارب فهذا ممكن دائماً، ومن ثم أعلن بيان بانون أن ترامب "رجل عظيم".
ولكن الوهم الأكبر المستمر هو أن ترامب مستعد للاعتدال، وتوقع الجمهوريون أنه سيتغير بمجرد بدء الانتخابات التمهيدية للعام 2016، ثم قالوا إنه سيتغير بمجرد فوزه بترشيح الحزب، أو عندما تبدأ حملة الانتخابات الرئاسية، أو عندما يفوز في الانتخابات، أو حين يؤدى اليمين الدستورية لتولي منصبه، لقد كانوا مخطئين في كل مرة، وترامب لن يتغير، ترامب سيظل ترامب.
إن استمرار هذا الوهم يشير إلى شيء آخر، الأمل في أن يقر الجمهوريون بأنه "قد طفح الكيل"، وأن عليهم أن يفعلوا الشيء الصحيح للإطاحة بهذا الرئيس غير المؤهل، وقد دفع كتاب وولف موجة أخرى من تلك التنبؤات، حيث ركز هذه المرة على التعديل الـ 25 للدستور، والذي يسمح بإقالة رئيس البلاد إذا كان "غير قادر على أداء صلاحيات وواجبات منصبه".
وفي مقاله، الأسبوع الماضي، قدم وولف أدلة للتدهور العقلي، حيث يكتب بأن ترامب سيخبر نفسه ثلاث قصص، في غضون 30 دقيقة، ولا يدرك أنه يكرر نفسه.
و"الآن أصبح ذلك في غضون 10 دقائق"، ويضيف: "في (مار-لا-لاجو)، قبل بداية العام الجديد مباشرة، فشل ترامب بشكل كبير في التعرف إلى أصدقائه القدامى"، ولكن التعديل الـ 25 على الدستور يتطلب موافقة نائب الرئيس وأغلبية مجلس الوزراء، وفي النهاية كلا مجلسي الكونجرس، وها نحن، مرة أخرى، أمام الحقيقة الصعبة للدستور الأميركي: إنه قوي مثل من يرغبون في فرضه، وهذا يعني الحزب الجمهوري.
وتكشف هذه التصريحات الأخيرة – مرة أخرى – أن هناك رجلا نرجسيا وخطيرا موجود في المكتب البيضاوي، يمارس – من بين أمور أخرى – السلطة الوحيدة التي لا تخضع للرقابة على أكبر ترسانة نووية في العالم. ولكن رد الفعل عليها يثبت شيئا آخر أيضاً. إنه لا يزال في مكانه بفضل تواطؤ مؤيديه الجمهوريين، وهم يتشاركون معه في جرمه مثلما يتشاركون معه لعنته.

عن "الغارديان"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: