"وهنا أنا" .. مسرحة معاناة شاب تحت الاحتلال

2018-01-03

كتب محمد بلاص:

مساحة صغيرة سوداء يعلوها ضوء كضوء الشمس يقف تحته هو فقط، يفتش بدقة وعناية فائقة عن أشيائه التي رسمت مساره في ثلاثين سنة، فكان الضوء يباغته أحياناً ليكشف كل الحقائق الباقية، ويكشف قصصا كانت مخبأة متوارية في زواياه، وصوراً للطفولة في الحارة والحب والمقاومة والمعتقل والأحلام.

هذه الصور رسمها الممثل أحمد طوباسي على خشبة مسرح "الحرية" في مخيم جنين من خلال مسرحيته "وهنا أنا"، من كتابة العراقي البريطاني حسن عبد الرزاق، وإخراج البريطانية زوي لافيرتي.

وحاكى العرض، أحداثاً مستوحاة من حياة طوباسي كشاب فلسطيني يعيش في مخيم تحت الاحتلال، ويخط طريقه في عالم الفن والتمثيل، حاملا رسالة المقاومة الثقافية من خلال فنه مستكشفاً ماهية الوجود في فلسطين في قلب المصاعب والتناقضات التي يعيشها شاب ينشأ تحت الاحتلال في مخيم للاجئين، ثم سافر بحثا عن نفسه في النرويج ليعود مجددا إلى مسقط رأسه مستمرا في البحث عن المعنى الحقيقي للحرية.

وجمع هذا العمل، بين الواقع والخيال والمأساة والكوميديا في تغطية لبعض أحداث الانتفاضتين الأولى والثانية، والمسؤولية في مشاركة هذه الحقائق على خشبة المسرح، يمكنها أن تصنع فرقا في حياة بعض الأشخاص.

وكان أحمد، ذاك الطفل الصغير الذي مر من أمام مسرح الحجر، وفيه التقى بأحلام طفل صغير، ومن ثم شاهد الحب في شخصية سناء التي سارت معه خلال العمل حتى أصبحت خيالا بزواجها، وعبر بعدها أمام الجمهور من هناك ثم رجع إلى الحارة ليلعب مع منير وأشرف أصدقاء طفولته الذين ما إن شاهدهم الجمهور على خشبة المسرح حتى ارتقى وأصبح صورا تعلو الجدران، ليبقى الشهداء الأحياء الذين لا يموتون، وسرعان ما لحقت بهم صورة جوليانو مير خميس.

ومن ثم، التحق أحمد في صفوف المقاومة الشعبية مع رفاقه في مخيم جنين في عمر السابعة عشرة ليتجول في زقاق المخيم ويحمل سلاحا ليقاوم، فيشعر بالخوف والقوة معا، ذاك الخوف القادم من قلب طفل صغير أمام دبابات وأسلحة كبيرة، ليودي به هذا الطريق إلى معتقل داخل سجون الاحتلال، ثم يخرج في سن 21 سنة ليجد أمامه حياة فارغة لا يدري فيها ما يفعل، وسرعان ما يعود مسرح الحجر باسم مسرح "الحرية" في مكان قريب من بيته فيلتحق به مجددا، ومن هناك يسافر إلى النرويج ليستقر في أوسلو ويكمل دراسة المسرح ومن ثم يعود إلى مسقط رأسه في مخيم جنين.

وقال طوباسي عن ذلك: "نكون من نحن من حيث ولدنا، وأنا ولدت هنا، ولا أحاول أن أعرض سياسة أو مفهوم التضحية، بل فقط قصتي من حيث أنا، كفلسطيني يعيش تحت الاحتلال".

وحمل هذا العمل الفني، تناقضات لروح ترفض وترفض وتبقى تحلم لترى الحلم حقيقة دافئة، وحاول طوباسي من خلاله رسم هويته من خلال تجاربه الفردية والجمعية مع من حوله، دون تجميل، ليشعر الجمهور بضعفه وخوفه وحزنه دون إبراز جانب القوة فقط، وهذا ما أعطى العمل مصداقية.

وقال طوباسي: "إننا مدى الحياة نبقى نتعلق بالبيت الأول مهما بعدنا واغتربنا، لأن كل منا يبقى تائها يبحث عن مرباه لا ينساه، ومن هنا أتى عنوان المسرحية وهنا أنا".

وجرى تقديم العرض المسرحي في جولة عروض في المملكة المتحدة قبل أن تشارك في مهرجان "أدنبرة فرينج" في أسكتلندا، وسيتم عرضها خلال العام 2018، بالتعاون مع مسرح "الحرية" في الضفة الغربية بالشراكة مع مسرح "نعم" في الخليل ومسرح "الحارة" في بيت لحم ومسرح "عشتار" في رام الله ومركز بلدية نابلس الثقافي "حمدي منكو"، قبل أن تختم جولة عروضها في نيسان القادم بمدينة جنين. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: