رواية "الباطن" لصافي صافي

2017-12-19

تقديم: الروائي د. أحمد حرب
يسعدني أن أقدم رواية (الباطن) للكاتب صافي صافي التي صدرت حديثاً عن دار الرعاة للدراسات والنشر، ويسرني القول بأنه تجمعني بصاحب الرواية تجارب عدة على أكثر من مستوى. بالإضافة الى تجاربنا الروائية، تجمعني مع صافي صافي علاقة صداقة وزمالة تمتد أكثر من ثلاثين سنة سواءً من خلال عملنا في جامعة بيرزيت أو من خلال جيرتنا في حارة النتاريش بمدينة البيرة إبان الانتفاضة الأولى. وكم من مرة اشتركنا في تنظيف الشوارع من الحجارة وبقايا الاطارات المحروقة تحت تهديد جنود الاحتلال، وكم من مرة وقفنا وأيدينا خلف رؤوسنا أو جلسنا القرفصاء تحت حراب العدو، ولكن أرواحنا بقيت وثابة وتواقة بحب فلسطين والتوحد مع سمائها وأرضها وأبنائها تماماً كما عبر عنها صافي صافي في روايته الجديدة (الباطن).

هذه العلاقة جعلتني أيضاً قريباً من تجربة صافي الروائية، فقد جعل صافي من حنا مينة، الروائي السوري، نموذجه المفضل، وربما يبدو هذا التأثير في تقنيات البوح والسرد الروائي خاصة في روايات صافي صافي "الحاج اسماعيل" (١٩٩٥) التي فازت بجائزة اتحاد الكتاب الفلسطينيين في ذلك العام. ومع أن أحداث الرواية تدور حول الحاج اسماعيل، والد الراوي، وهو على فراش الموت، إلا أنها تذكر القارئ برواية "نهاية رجل شجاع" لحنا مينة. كما يمكن للقارئ أن يتحسس وشائج تأثير روايات حنا مينة مثل "الشمس في يوم غائم"، "والمطر لا يأتي من النافذة" و"الياطر" على روايات صافي مثل "الصعود ثانية"(١٩٩٤) و"اليسيرة"(١٩٩٦) و"الباطن" (٢٠١٧).

وربما الأهم في مجال التأثر والتأثير والتراسل بين الكتابات يبدو فيما جعله حنا مينة من "البحر" مرجعاً جمالياً للحياة وتجددها ومرساة للروح، جعل صافي صافي من "القرية" مصدراً لجماليات المكان التي تتراسل بتلقائية مع صفاء الروح، وما أسماء الشخصيات في رواية الباطن، صافي وصفية وصفاء، إلا تعزيز رمزي لهذا الصفاء.
ولد صافي صافي في قرية بيت اللو في العام ١٩٥٥ وعاش طفولته فيها مع عائلته المهجرة من قرية بيت نبالا/ قضاء اللد. وكما هو معروف في مبادئ التحليل النفسي للعمل الأدبي بأن المبدأ الأساس في عملية التحليل النفسي للعمل الأدبي هي حتمية السلوك، بمعنى أن أفكار أي شخص وعواطفه وتصرفاته وأفعاله في لحظة ما، تتوقف تماماً عَلى تطور دوافعه الشخصية وتشكيلها خلال الخبرات التي سبق أن عانى منها، كما أنها تتوقف على كيفية إدراكه للموقف، وهذا المبدأ الأساس يؤدي إلى تأكيد الدور المهم الذي تقوم به الطفولة في مراحلها الأولى.

هذا المبدأ في التحليل النفسي للعمل الأدبي ينطبق تماماً على رواية "الباطن" التي نحن بصددها، حيث أعتقد أن الرواية تحقيق للجوانب اللاشعورية في حياة صافي صافي في مراحلها الأولى في قرية بيت اللو. "الباطن"، عنوان الرواية، يعود إلى 'باطن الحية'، الوادي في قرية بيت اللو، مسقط رأس الراوي، تجري فيه أحداث الرواية ويحمل أكثر من دلالة. فهو "الجنة"، كما تصفه الرواية في أكثر من موقع، وهو "فراش الروح" الذي يتزاوج عليه 'الظاهر' 'والباطن'، الظاهر هو الطبيعة يستلهمها الباطن في شكل إشارات ورموز تناجي الروح وتتوحد معها فيغدو الرائي والمرئي شيئا واحدا والفاعل والمفعول به سيان. (أود التذكير هنا أن "الظاهر" و"الباطن "من أسماء الله الحسنى) تقول الرواية في وصف باطن الحية:
"يتحول التل إلى جزيرة معزولة مخفية، فالضباب يلفه من كل جانب، وتتحول الأودية إلى أنهار تحيط به، ويتحول رأس التل إلى ما يشبه القارب، لذلك أشعر بالأمان. تلتف حوله جبال، دير شريف من الجهة الجنوبية، وجبل بابون من الجهة الشمالية الشرقية، ويلتقي وادي الطواحين ووادي الزرقاء من الجهة الغربية ليصبا في وادي نطوف الشهير قبل آلاف السنين. التل تحميه الجبال من كل جانب، إنه ابنها، تحرسه، تمنع عنه حرارة الشمس وغزارة الأمطار، إنه بقعة الله المحمية على الأرض... أنا وحدي في هذا العالم، لا أرى، لا أسمع، أحس فقط برائحة الرطوبة الجميلة من حولي. لا أشعر بالخوف، أشعر بالتوحد، تتصلب رجلاي، وتتخدر يداي، ويخفق قلبي قليلاً قليلاً، وأفكار جميلة تعيش داخل رأسي، بين أذني، لا أشعر بالخوف، إنها الطبيعة التي أنا جزء منها... أنا الآن في الجنة ... ليس هناك فرق في الصيف ولا في الشتاء عما يحدث في هذه الجنة.. في الصيف يكون الجو منعشاً تماماً، وفي الشتاء تكون المنطقة مصيدة للأمطار وصانعة للرياح الخفيفة والنسيم العليل...

هذه الصورة لباطن الحية تستدعي صورة الجنة (الفردوس) قبل الهبوط، حيث آدم وحواء يعيشان براءتهم السعيدة ويتحادثان مع الطيور والأشجار والأنهار والحيوانات ويتبادلان الأفكار معها في انسجام تام ويمارسان الحب بصفاء كنفحات من روح الله (الباطن) " وهو الذي ليس دونه شيء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه." وبالتماثل، يعيش صافي مع، حوائه' صفية في الجنة 'باطن الحية' يحادث الدجاج والأغنام والطيور ويتبادل المشاعر مع (أبو زيد) الصرصور ومع الضبع والحرثون ومع حية تسعى وأخرى تطارده ونهر الخمر على يساره وحواري بهيئة صفية يحطن به، يمد يده على "تفاح بيت ينون ويقطف منه متى وكيفما شاء 'فلا حاجة للسرقة'...(ص٥٤) يحضن صفية، ثم أكثر فأكثر وتحتضنه أكثر وأكثر ويسألها في غشاوة اللاوعي، "هل أؤلمك؟". "أشعر بلذة في كل مكان في جسدي"، تجيبه صفية. وحينها يسأل، "أين موقع اللذة؟". "في كلي.. جسدي كله مثل النار، ووجهي مثل وجهك أحمر كالجمر،" تجيب.
-هل تقبلين أن تتزوجيني؟
-هل تقبل أن تتزوجني؟
-نحتاج إلى شاهد يا صفية .
-الشاهد هو الله وهذه الجبال والتلال والأودية.

تتكون رواية (الباطن) من ثلاثة وثلاثين جزءاً عبارة عن مشاهد قصيرة تصف جوانب مختلفة للمكان وعملية التماهي معه طبيعة وسكّانا، تبدأ "بالسقيفة" وتنتهي "بالطوفان"، وأعتقد أن هذه البنية الروائية تتوافق مع ما ذهبت إليه من أن (باطن الحية) استحضار للجنة قبل الخطيئة في التكوين الأول ومن ثم الهبوط إلى الواقع الانساني البشري الذي يتعامل فيه الإنسان مع الطبيعة من منظور الألم والمعاناة والاغتراب الذي سببه التهجير من مكانه الأول. تكثر المشاحر في الجهة الغربية للقرية التي تحتضن "باطن الحية" وتجعل حياة الأهالي لا تطاق لا صيفاً ولا شتاءً ولا نهاراً ولا ليلاً، دخان أسود يكاد يعمي العيون ويسد الأنوف ويخنق الناس وسكّان القرية. وكأني بصافي صافي، في هذه الحالة التي تعيشها القرية، لا بد من الطوفان، من إعادة التكوين. وهكذا يأتي مشهد "الطوفان" بعد مشهد "المشاحر" مباشرة ويختتم به الرواية، خاتمة الحلم.

وأعتقد أن "الطوفان" في رواية صافي هو استحضار لقصة الطوفان في الفكر الكتابي الديني. لقد وردت هذه في أسفار العهد القديم والإنجيل وفي القرآن الكريم. وعلى الرغم من الاختلاف فيما يتعلق بكثافة التفاصيل في السرد الديني في الكتب المذكورة، إلا أن الهيكل البنائي لقصة الطوفان متشابه. وإذا جاز لي استخدام المصطلحات الأدبية لوصف رواية الطوفان بين الكتب الثلاثة، أرى أن رواية العهد القديم 'للطوفان' أشبه بالرواية الواقعية من حيث كثرة التفاصيل المتعلقة بالزمان والمكان وصنع السفينة والحياة الاجتماعية قبل الطوفان، وما جاء في العهد الجديد أشبه بالرواية الرمزية (Allegory)، وما ورد في القرآن أشبه بالرواية الانطباعية. في الروايات الثلاث، يحمل الطوفان معاني إعادة التكوين، والتطهّر، والحياة الجديدة المنقاة من الآثام، مع الاختلاف المفاهيمي حول تفسير رمزية الطوفان. في الفكر التوراتي، يفسرون قصة الطوفان تفسيراً واقعياً حرفياً وهو بعد أن خلق الله السماوات والأرض وخلق آدم وحواء في الجنة، وبعد هبوطهما عم الفساد بين نسل آدم وحواء وارتكبوا الخطايا والآثام والانغماس في الشهوات، فجاء الطوفان كعقاب رباني للأشرار ونجاة للأخيار الذين من سلالاتهم يعاد التكوين، أما في الفكر المسيحي، يفسر كثير من الآباء المسيحيين الطوفان تفسيراً مجازياً حيث يعتبرون "الطوفان بوقائعه المنتظمة إلا مجمع حكم وتعاليم ومقاصد ربانية تتجاوز حدود المسطور، والمفهوم الأساس هو معنى الخلاص والتطهير والتنقية من الذنوب التي ترمز للمسيح من خلال "كنيسته سفينة العهد الجديد لتخليص كل البشرية"، وبهذا يتحول الطوفان إلى رمز المعمودية (راجع نزار علي صميدة. "رمزية القصص الديني في الفكر الكتابي: قصة الطوفان نموذجا"، مجلة الجامعة الاسلامية للدراسات الاسلامية، مجلد 23، ص ص347-395 العدد الأول 2015).

ومن هنا، أرى أن الطوفان في رواية "الباطن" محاكاة لحدث الطوفان في القصص الديني متموضعاً في سياق فلسطيني تاريخياً وجغرافياً ورمزياً. في قرية بيت اللو التي تحيط بها المشاحر من الغرب، تتفجر الينابيع وتنشق الصخور وتتفتح كوى السماء وتغطي المياه الوديان ويرتفع منسوبها فوق القمم ويطفو على سطحها عظام الموتى والأخشاب والاشجار، والنَّاس تجد الأمان في اعتلاء الأخشاب والأشجار والمواشي والدواب تسبح حولهم وصافي فوق مركبه الذي تنضم إليه روحياً وتتوجه المياه بهم جميعاً غرباً نحو بيت نبالا إلى المكان الأول، إلى "الجنة" قبل التهجير واللجوء. في غفوة بين الحلم والحقيقة، يتمنى الراوي أن يتوقف الطوفان وينزل ليسكن في بيت نبالا "نلعب هناك، ونبني، ونعيش من جديد."

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: