مساحة للحوار

نجلاء ياسين: في الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني

فيحاء عبد الهادي

2016-02-14

في طريقي لزيارة القاهرة نهاية شهر شباط الحالي؛ رنَّت في أذني توصية الوالدة الدائمة لي، في كل مرة كنت أسافر فيها إلى مصر: (لا تنسي تزوري "أم ناصر").
لم أكن وحدي من يحرص على زيارتها كلما وصل مصر. كان بيتها ملتقى الكثيرات ممن زاملنها في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، والعديد ممن عمل معها في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني/ فتح، ومنظمة التحرير الفلسطينية، قيادات وقواعد، بالإضافة إلى الكثيرين ممن عرفوها عن قرب؛ فلسطينيين وعربا، وأعجبوا بشخصيتها القوية، وحسن ضيافتها، وطلاوة لسانها، وإخلاصها لرفيقات ورفاق النضال، ولفلسطين.
من لبنان إلى سورية إلى الأردن إلى فلسطين، سارت "نجلاء ياسين"، وسار حلمها الشخصي والجماعي، حلم الارتباط بفلسطين قلباً وقالباً، وحلم القوميين العرب في تحقيق الوحدة العربية، الأمر الذي جعلها تحمل اسم "أم ناصر"، تيمناً باسم قائد الحلم العربي، الرئيس المصري "جمال عبد الناصر".
*****
شهدت "أم ناصر" في عمان، ومنذ أوائل الستينيات، إرهاصات العمل الفدائي، ثم انطلاقة حركة التحرر الوطني (فتح) العام 1965، التي عبَّرت عن أمل الشعب الفلسطيني بأكمله في الحرية والعودة.
كما شهدت هزيمة الأنظمة العربية العام 1967؛ التي كان وقعها عنيفاً على أبناء الشعب العربي، الذين توقعوا النصر، وعوَّلوا على الجيوش العربية لتحقيقه.
كان لا بد من انتهاج طريق مغاير لتحقيق النصر؛ فكان العمل الفدائي، الذي شكَّل طوق نجاة للآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني والعربي، وجدَّد الأمل بالحرية، واستعاد الكرامة، وكانت المشاركة السياسية والعسكرية الواسعة للنساء.
أحسَّت النساء أن الاستعداد لأية معركة مقبلة؛ يستدعي التدريب المتقدم على استخدام السلاح، بالقدر نفسه، الذي يستدعي العمل التنظيمي المرتبط بالعمل السياسي؛ فسارعت المئات منهن للانضمام إلى التنظيمات الفدائية.
*****
وجدت "نجلاء ياسين" نفسها، حين انضمت إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، في الأردن، بعد العام 1967، ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت حياتها مكرسة للقضية الفلسطينية.
وحين انضمت إلى الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، في الأردن، العام 1969؛ أصبحت حياتها مكرسة لفلسطين ولقضية المرأة الفلسطينية.
نشطت المناضلة، مع النساء اللواتي انتمين إلى تنظيمات العمل الفدائي، والعديد من النساء المستقلات، ضمن مراكز الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، التي تم فتحها في مدن الأردن كافة، بتوجيه من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد إبعاد رئيسة الاتحاد "عصام عبد الهادي"، إلى الأردن، وإعادة تشكيل الاتحاد.
عملت "أم ناصر"، مع زميلاتها، في العمل السياسي، كخلية نحل، يتنقلن من مخيم إلى مخيم، ومن مدينة إلى مدينة، وهن يرتدين الزي الكاكي؛ ينظمن دورات في فك وتركيب السلاح، وفي محو الأمية، والإسعاف والتمريض، والخياطة، والتطريز، بالإضافات إلى تنظيم المحاضرات السياسية والثقافية الفلسطينية.
تولت المناضلة مسؤولية اللجنة الاقتصادية والفنية في الأمانة العامة للاتحاد، ومن خلالها أسَّست فرقة فنون شعبية فلسطينية، قدَّمت عروضاً تراثية متميزة، تجوَّلت في العالم العربي، وبعض البلاد الأجنبية، وحصلت على العديد من الجوائز؛ أهمها الجائزة الذهبية بين ثلاثين فرقة عربية وأجنبية، في مهرجان قرطاج الدولي، بالإضافة إلى الربح المادي، الذي ساهم في دعم مراكز الاتحاد.
واستمر اهتمامها بالتراث، بعد وقف عمل مراكز الاتحاد في الأردن، وانتقالها، مع انتقال مقر الأمانة العامة للاتحاد إلى لبنان. ساهمت في تأسيس "صامد"، جمعية معامل أبناء وأسر شهداء وجرحى فلسطين، ثم انتقلت إلى تونس، مع المقاومة الفلسطينية العام 1982؛ حيث أسَّست متحفاً للتراث الفلسطيني، يحتوي على ما جمعته من أثواب وقطع تراثية قديمة، بالإضافة إلى بعض الأثاث الفلسطيني القديم، وبعض مقتنيات الأسر الفلسطينية منذ النكبة، مثل المفتاح، وجواز السفر، والطوابع القديمة.
واصلت عملها النقابي، واختيرت لتكون أمينة سر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، في مؤتمر الاتحاد الرابع في تونس، العام 1985. وانتخبت لعضوية المجلس الثوري لحركة فتح العام 1980، ثم أعيد انتخابها لعضوية المجلس العام 1989.
وبعد اتفاقية أوسلو استقرت "أم ناصر" في غزة، التي أحبتها حباً جماً، وأحبت أهلها وأحبوها؛ إلى أن اضطرها المرض إلى الاستقرار في القاهرة، بجانب شقيقتها، حتى رحيلها في التاسع عشر من كانون الأول 2015.
*****
شغلت المناضلة "نجلاء ياسين" مواقع عديدة، من خلال انتمائها إلى "فتح"، ومن خلال عضويتها في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، كان آخرها عضويتها في المجلس الاستشاري لحركة فتح العام 2009؛ لكن أخطر ما شغلته كان موقعاً قلما شغلته امرأة، وهو موقع: مدير مكتب القائد العام للثورة الفلسطينية، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية "ياسر عرفات"، منذ السبعينيات. ومن خلال عملها الجاد، وتفانيها، وجَلَدِها، ودماثتها، وحنوِّها، وقلبها الكبير، وإيمانها بالقائد والرئيس "أبو عمار"؛ أثبتت "أم ناصر" أن المرأة قادرة على أداء أصعب المهام، وأنها جديرة بالثقة والمسؤولية. 
*****
الخالة الحبيبة أم ناصر،
عرفناك مناضلة نذرت حياتها منذ الشباب لقضية حرية الشعب الفلسطيني، في وعي للترابط الذي لا ينفصل بين النضال الفلسطيني والعربي.
نذكر دورك المتميز، مع الاتحادات النسائية العربية، وبعض المؤسسات الدولية؛ لتنظيم سفينة السلام، التي هدفت إلى كسر الحصار على الشعب العراقي، عبر تزويده بالدواء والغذاء.
هي المرة الأولى التي سوف أكون فيها في مصر، ولن أزورك أيتها الغالية؛ لكني أحتفظ منذ زيارتي الأخيرة بهديتك الغالية: سوار علم فلسطين.
من جيل إلى جيل، سوف نستمر في حمل الشعلة، وسوف نمضي بثقة وتصميم لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعودة، وسوف تكونين ورفيقاتك اللواتي رحلن في قلوبنا جميعاً.
faihaab@gmail.com
www.faihaab.com

التعليقات


2 . عمرصبري كتمتو/
الجمعة 19 شباط 2016 16:29:14

الوفاء للراحلة نجلاء ياسين هو الذي يستمر من جيل الى جيل فمن توصية المناضلة المرحومة عصام عبد الهادي لابنتها الأديبة د. فيحاء عبد الهادي بأن تزور أم ناصر كلما ذهبت الى القاهرة, وحتى الآن لازال يحمل الفلسطيني في قلبه المتنقل في العالم الوفاء الكبير لكل من شاركه في نضاله وعمل من أجل تحرير فلسطين, ومن هنا تأتي أهمية تسجيل الذاكرة الفلسطينية, ولعلنا نتنبه الى حقيقة غفلت عنها أجهزتنا الرسمية في العمل على انعاش ذاكرة أجيالنا باطلاق أسماء مناضلينا على ساحاتنا وشوارعنا, واعداد حلقات بحث تختص بتوضيح ماهو ليس معروفا اافلسطيني العادي عن دور هؤلاء المناضلين والمناضلات اللواتي تركن بصمات هامة على صفحات نضالنا, لقد عرفت السيدة نجلاء ياسين عن قرب بحكم عملي سفيرا, وكانت لهجتي السورية الدمشقية تطغى على لهجتي الفلسطينية بحكم العادة فقط كلما تحدثت الى صديق سوري أو قريب سوري, مما كان يسعدها حينما ألتقيها, لأن كل ماتبقى لها من أصولها العريقة هو تلك اللهجة التي لم تغيرها رغم كل السنين التي عاشتها معنا نحن الفلسطينيين, وهذا المقال يحمل الوفاء من سيدتين الأم وابنتها ويعبر تعبيرا صادقا عن الحب الكبير الذي جمع المناضلتين عصام عبد الهادي ونجلاء ياسين, وعتقد أنه ليس من المبالغة في شيء لو أطلقنا أسميهما على ساحاتنا أو شوارعنا, لا بل ان هذا واجب وطني أدعو للعمل عليه وتحقيقه لأنه سيكون دليلا على أننا شعب متحضر ووفي.

1 . صالح عبد الجواد/
الأحد 14 شباط 2016 14:41:24

رحمة الله عليها . كنت اود أن اعرف تفاصيل اكثر. بلدها، مواليد اي عام هل كانت حزبية قبل انخراطها قلبا وقالباً مع فتح..الخ


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: